تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
الأشياء في عالمنا المشهود ، فإنّما هو دار التنازع والتزاحم ، بل المراد أنّ هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهيّة ويتسبّب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعيّة ، فمثلها مثل القدّوم والخشب فإنّهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في صنعة الباب مثلًا ، ومثل كفّتي الميزان فإنّهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن . وهذا بخلاف الباطل كوجود كلال في القدّوم أو بخس في المثقال فإنّه يعارض الغرض الحقّ ويخيّب السعي ، فيفسد من غير إصلاح ويضرّ من غير نفع . . . . وما يوجد من تزاحم العلل في النظام من هذا القبيل فإنّ العلل والأسباب الراسمة لهذا النظام العامّ على اختلافها وتمانعها وتزاحمها لا يبطل بعضها فعّاليّة بعض بمعنى . . . بل السببان المختلفان المتنازعان حالهما في تنازعهما حال كفّتي الميزان المتنازعتين بالارتفاع والانخفاض فإنّهما في عين اختلافهما متّحدان في تحصيل ما يريده صاحب الميزان ويخدمانه في سبيل غرضه وهو تعديل الوزن بواسطة اللسان » « 1 » . الثاني : التفاسد المذموم ، وهو الفساد الحاصل من ربّ ومدبّر لعمل ربّ ومدبّر آخر ، وهذا الفساد هو الذي يؤدّي إلى اختلال واضطراب عالم الإمكان ، بمعنى أنّ أحد الأرباب ينقض بعض القوانين الكلّية الحاكمة في نظام الربّ الآخر ويفسد عمله ، كما لو فرضنا أنّ أحد الأرباب يجعل الأثر الحاصل من النار هو الحرارة مع توفّر شروط معيّنة وارتفاع الموانع ، والآخر يجعل الأثر الحاصل من النار هو البرودة ، فيؤدّي إلى اختلال نظام عالم الإمكان للربّ الآخر ، وهذا هو التفاسد المذموم .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 11 ص 339 ، ج 14 ص 267 .