تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧

2 . برهان التمانع

ربما كان هذا البرهان هو الأبرز بين الأدلّة التي عَرَض لها الحكماء والمتكلِّمون لإثبات توحيد الربوبيّة له تعالى ، وهو مستقى من القرآن الكريم في قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( الأنبياء : 22 ) . وقد قُرّر بتقريرات متعدّدة منها ما ذكره المصنّف في المتن ، وبيانه يتوقّف على ذكر مقدّمتين :

المقدمة الأولى : تعدّد الأرباب يستلزم التمايز الذاتي بينهما

هذه المقدّمة واضحة ، فإنّه لو فرض أنّهما كانا اثنين ، فالتعدّد يستلزم تمايز أحدهما عن الآخر ، فلابدّ أن يكون كلّ منهما واجداً لشيء وفاقداً لشيء آخر ، إذ لو لم يكونا كذلك لكانا متماثلين من كلّ جهة ، فيلزم أن يكون ما فرض اثنين واحداً ؛ هذا خلف . ثمّ إنّ التمايز بين الأرباب لابدّ أن يكون بأمر ذاتيّ ، وذلك لأنّ الأرباب المفروضة موجودات مجرّدة ، وقد تقدّم أنّ النوع المجرّد منحصر في فرد واحد ، فلا توجد كثرة في المجرّدات إلّا كثرة نوعيّة . وعلى هذا الأساس فالتمايز بين المجرّدات لابدّ أن يكون بأمر ذاتيّ لا عرضيّ ، سواء كان التمايز ببعض الذات كالفصول إذا كانت الأنواع مركّبة ، أم بتمام الذات إذا كانت بسيطة . إلّا أنّ ما ذكره المصنّف في هذه المقدّمة ، من أنّ الكثرة لا تتحقّق إلّا بالآحاد ، وأنّه لا آحاد إلّا مع التميّز ، وأنّه لا تميّز إلّا باشتمال كلٍّ من الآحاد على جهة يفقدها الباقون ، وإن كان ضروريّاً ، لكن ما ذكره من أنّ جهة المغايرة لابدّ أن تكون ذاتيّة لا عَرَضيّة ، ليست ضروريّة ، وإنّما يثبت بما أقاموه من البرهان على أنّ النوع المجرّد منحصر في فرد ، فإذا نوقش في ذلك فلا تتمّ هذه المقدّمة ، وبالتالي لا يتمّ هذا البرهان كما هو واضح .