المقدمة الثانية : المسانخة بين الربّ والمربوب
هذه المقدّمة تقدّم الكلام عنها آنفاً ، وتبيّن أنّ المراد من المسانخة بين الربّ والمربوب ، أو بين الفاعل وفعله ، هو أنّ الربّ والفاعل يكون واجِداً لكلّ ما عند المربوب أو المعلول بنحو أعلى وأشرف وأتمّ . وهذا ما سيأتي أيضاً في الفصل التاسع عشر من هذه المرحلة .
إذا اتّضح ذلك يمكن صياغة هذا البرهان بصورة القياس الاستثنائي التالي : لو وجد أرباب وآلهة متعدّدون يدبّرون أمر هذا العالم ، للزم فساد عالم الإمكان واضطراب حبل الكون والوجود وتخلخل أمر السماوات والأرض ، والتالي باطل ، فالمقدَّم مثله .
أمّا الدليل على بطلان التالي ، فهو كما قال المصنّف أنّ « المشهود من النظام العامّ الجاري في الخلق ، والنظام الخاصّ في كلّ نوع ، والنظم والترتيب الذي هو مستقرّ في أشخاص الأنواع يصدِّق ذلك . فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك وجدنا مصالح ومنافع في خلقه ، نقضي منها عجباً ، وكلّما أمعنّا وتعمّقنا فيه بدت منافع جديدة وروابط عجيبة تدهش اللبّ وتكشف عن دقّة الأمر
وإتقان الصنع » .
أمّا الدليل على التلازم بين المقدّم والتالي وهو فساد عالم الإمكان فيما لو تعدّد الأرباب فيتّضح من خلال بيان المراد من الفساد وأنحائه في المقام .
أنحاء الفساد في عالم الإمكان
يمكن تصوير حصول الفساد في عالم الإمكان على نحوين :
الأوّل : الفساد المحمود
، وهو الفساد الحاصل نتيجة التزاحم الذي يقتضيه النظام الأحسن ، كما نلمسه واضحاً في الأمور المادّية ، وبتعبير المصنّف في تفسيره : « ليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين