قلتُ : لا ريبَ أنّ العلومَ التي يبني عليها العقلاءُ أعمالَهم صورٌ علميةٌ وقوانينُ كليةٌ مأخوذةٌ مِن النظامِ الخارجيِّ الجاري في العالم ، فللنظامِ الخارجيِّ نوعُ تقدّمٍ على تلكَ الصورِ العلميةِ والقوانينِ الكلّيةِ وهي تابعةٌ له . ثمّ هذا النظامُ الخارجيُّ بوجودِه الخارجيِّ فعلُ أولئكَ الأربابِ المفروضينَ ، ومنَ المستحيلِ أنْ يتأثّرَ الفاعلُ في فعلِه عن الصورِ العلميةِ المنتزعةِ عن فعلِه المتأخرةِ عنِ الفعل .
فإن قيلَ : هبْ أنّ الأربابَ المفروضينَ الفاعلينَ للنظامِ الخارجيِّ لا يتبعونَ في فعلهِم الصورَ العلميةَ المنتزعةَ عن الفعلِ وهي علومٌ ذهنيةٌ حصوليةٌ تابعةٌ للمعلوم ، لكنّ الأربابَ المفروضينَ فواعلُ علميةٌ لهم علمٌ بفعلهِم في مرتبةِ ذواتِهم قبلَ الفعل ، فلِم لا يجوزُ تواطؤُهم على التسالمِ وتوافقُهم على التلاؤُمِ في العلمِ قبلَ الفعل ؟
قلتُ : علمُ الفاعلِ العلميِّ بفعلِه قبلَ الإيجادِ كما سيجيءُ وقدْ تقدّمتِ الإشارةُ إليه علمٌ حضوريٌّ ، ملاكُه وجدانُ العلّةِ كمالَ
المعلولِ بنحوٍ أعلى وأشرفَ ، والسنخيةُ بين العلّةِ ومعلولِها ، وفرضُ تواطؤِ الأربابِ وتوافقِهم في مرتبةِ هذا المعنى من العلمِ إلغاءٌ منهمْ لما في وجوداتهِم مِن التكثّرِ والتغايرِ ، وقد فُرِضَ أنّ وجوداتهِم متكثّرةٌ متغايرةٌ ، وهذا خلفٌ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 296
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٦