على أنّه لو فُرضَ كثرةُ الأربابِ المدبِّرينَ لأمرِ العالمِ كما يقولُ به الوثنيةُ أدَّى ذلكَ إلى المحالِ مِن جهةٍ أخرى وهو فسادُ النظام .
بيانُ ذلكَ : أنّ الكثرةَ لا تتحقّقُ إلا بالآحاد ، ولا آحادَ إلّا معَ تميُّز البعضِ مِن البعض ، ولا يتمُّ تميُّزٌ إلّا باشتمالِ كلِّ واحدٍ مِن آحادِ الكثرةِ على جهةٍ ذاتيةٍ يفقدُها الواحدُ الآخرُ ، فيغايرُ بذلكَ الآخرَ ويتمايزانِ ، كلُّ ذلكَ بالضرورة ، والسنخيةُ بين الفاعلِ وفعلِه تقضي بظهورِ المغايرةِ بينَ الفعلينِ حسبَ ما بينَ الفاعلين .
فلو كان هناك أربابٌ متفرّقونَ ، سواءٌ اجتمعوا على فعلٍ واحدٍ أو كانَ لكلِّ جهةٍ مِن جِهاتِ النظامِ العالميِّ العامِّ ربٌّ مستقلٌّ في ربوبيّتِه كربِّ السماءِ والأرضِ وربِّ الإنسانِ وغيرِ ذلك ، أدَّى ذلك إلى فسادِ النظامِ والتدافعِ بينَ أجزائِه ، ووحدةُ النظامِ والتلازمُ المستمرُّ بينَ أجزائِه تدفعُه .
فإنْ قيلَ : إحكامُ النظامِ وإتقانُه العجيبُ الحاكمُ بين أجزائِه يشهدُ أنّ التدبيرَ الجاريَ تدبيرٌ عنْ علمٍ ، والأصولُ الحكميةُ القاضيةُ باستنادِ العالمِ المشهودِ إلى عللٍ مجرّدةٍ عالمةٍ يؤيّدُ ذلكَ ، فهبْ أنّ الأربابَ المفروضينَ متكثِّرةُ الذواتِ ومتغايرتُها ويؤدِّي ذلكَ بالطبع إلى اختلافِ الأفعالِ وتدافعِها ، لكنْ مِن الجائزِ أن يتواطؤوا على التسالمِ وهم عقلاء ويتوافقوا على التلاؤمِ رعايةً لمصلحةِ النظامِ الواحدِ وتحفظاً على بقائِه .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 295
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٥