قلنا : إنّه بعد أن ثبت في ما مضى « 1 » أنّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات ، إذن يبطل فرْض واجب يمكنه إيجاد العالم إلّا أنّه قد عطّل فعله ، فيثبت وحدة الواجب في وجوب وجوده أيضاً .
ولا يخفى أنّ هذا البيان إنّما يتمّ على مباني حكماء المشّاء القائلين بأنّ للمعلول وجوداً مستقلًّا في نفسه ، لا أنّه وجود رابط ، وعليه يكون للمعلول نوع من التأثير والفاعليّة في ما دونه ؛ وذلك لأنّ ما جاء في هذا البيان من كون الواجب علّة العلل وكون غيره أيضاً علّة موجدة ، إنّما يتمّ على مبنى هؤلاء .
بناءً على ذلك فإنّ غاية ما يثبته هذا البيان إنّما هو كونه تعالى وحده ربّاً مستقلًّا ، وإن كان هناك أرباب غيره تعالى إلّا أنّها مسخّرة له تعالى .
أمّا في ضوء مباني الحكمة المتعالية كما عليه المصنّف فالواجب تعالى فاعل قريب لكلّ ما سواه ، ويكون الترتّب بين الموجودات ترتّباً إعداديّاً لا علّيّاً ، « فهو تعالى الفاعل المستقلّ في مبدئيّته على الإطلاق ، والقائم بذاته في إيجاده وعلّيته ، وهو المؤثّر بحقيقة معنى الكلمة ، لا مؤثّر في الوجود إلّا هو ، ليس لغيره من الاستقلال الذي هو ملاك العلّية والإيجاد إلّا الاستقلال النسبي ،
فالعلل الفاعليّة في الوجودات معدّات مقرّبة للمعاليل إلى فيض المبدأ الأوّل ، وفاعل الكلّ تعالى » « 2 » .
وببيان آخر : لمّا كان كلّ ما سواه تعالى من الموجودات روابط لا استقلال لها ؛ لمكان المعلوليّة ، إذن فهي بأجمعها متقوّمة به تعالى ، وليس لشيء منها استقلال يصحّح به ربوبيّته لشيء ، فيكون هو تعالى فاعل قريب لكلّ الموجودات بأنظمتها .
وبهذا يثبت أنّه تعالى ربّ العالمين لا ربّ سواه .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، ، مصدر سابق : الفصل الرابع من المرحلة الرابعة ، ص 55 .
( 2 ) المصدر نفسه : الفصل الثامن من المرحلة الثامنة ، ص 176 .