ثانيها
: وحدة العالم العقلي ، ويعلم ذلك من وحدة النظام الناشئ منه ، فإنّ مثل هذا النظام الواحد الجاري في العالم الجسماني لا يمكن أن يصدر عن فواعل متعدّدة ، لأنّ فرْض علل كثيرة لها يعني أنّ كلّ واحد منها يستقلّ بإيجاد قسم من هذا العالم وتدبيره بلا حاجة إلى أمر آخر ، ممّا يؤدّي إلى انعزال أجزاء العالم بعضها عن بعض ، وقد تبيّن خلافه في المقدّمة الأولى .
ثالثها
: علّية العالم العقلي للعالم الجسماني ، ويعلم ذلك من وقوعه في مرتبة عُليا من مراتب الوجود بالنسبة إلى العالم الجسماني ، واشتماله على كمالات هذا العالم بنحو أعلى وأتمّ وأشرف .
ومن الواضح أنّ كون عالم المادّة معلولٌ لعالم مجرّد عقليّ ، إنّما يتمّ على مباني الحكمة المشائيّة ، المنكرين لعالم المثال . وأمّا بناءً على ما يذهب إليه المصنّف تبعاً لصدر المتألّهين ، فالعالم المادّي معلول لعالم المثال ، وعالم المثال بدوره معلول لعالم العقل ، كما سيأتي بيانه .
المقدّمة الثالثة : معلوليّة عالم العقل للنظام الربّاني
بناءً على ما تقدّم في الفصل الثالث من هذه المرحلة من أنّ واجب الوجود واحد ، وأنّ جميع ما سواه ممكن فقير متعلّق به تعالى ، بواسطة أو بدونها يكون عالمنا المشهود وما فيه من النسب والروابط وما فوقه من العوالم
المجرّدة معلولة جميعاً للواجب تعالى ، ولا مفيض للوجود غيره .
من خلال هذه المقدّمات يتبيّن أنّ الواجب تعالى هو المدبّر لهذا العالم ، وكذا للعوالم الأخرى التي فوق العالم المادّي ، ومن المُحال أن يوجد مدبّر غيره ، لأنّ ذلك يستلزم وجود واجب بالذات آخر ، وقد تقدّم بطلانه .
فإن قيل : إنّ هذا البيان لإثبات أنّ الربّ والمدبِّر واحد ، لا يحتاج إلى سبق إثبات وحدة الواجب في وجوب وجوده ؛ لأنّ المطلوب هو وحدة الربّ للعالم ، وهو يتمّ بهذا البيان ولو فرض وجود واجب آخر غير فاعل لشيء أصلًا .