لدنه ، نقول : لو تعدّد الواجب بالذات لا يكون بينهما علاقة ذاتيّة لزوميّة كما مرّ من أنّ الملازمة بين الشيئين لا تنفكّ عن معلوليّة أحدهما للآخر أو معلولية كلّ منهما لأمر ثالث فعلى أيّ واحد من التقديرين يلزم معلولية الواجب ، وهو خرْق فرْض الواجبيّة لهما .
فإذن لكلٍّ منهما مرتبة من الكمال وحظّ من الوجود والتحصّل لا يكون هو للآخر ، ولا منبعثاً عنه ومترشّحاً من لدنه ، فيكون كلّ واحد منهما عادماً
لنشأة كماليّة وفاقداً لمرتبة وجوديّة ، سواء كانت ممتنعة الحصول له أو ممكنة ، بل يكون ذاته بذاته مصداقاً لحصول شيء وفقد شيء آخر من طبيعة الوجود ومراتبه الكماليّة ، فلا يكون واحداً حقيقيّاً ، والتركيب بحسب الذات والحقيقة ينافي الوجوب الذاتي .
فالواجب الوجود يجب أن يكون من فرْط التحصّل وكمال الوجود ، جامعاً لجميع النشآت الوجوديّة والحيثيّات الكمالية التي بحسب الوجود بما هو وجود ، للموجود بما هو موجود ، فلا مكافئ له في الوجود والفضيلة ، بل ذاته بذاته يجب أن يكون مستند جميع الكمالات ومنبع كلّ الخيرات » .
ثمّ أضاف أنّ هذا البرهان : « وإن لم ينفع للمتوسّطين فضلًا عن غيرهم ، لابتنائه على كثير من الأصول الفلسفيّة والمقدّمات المطويّة المتفرّقة في مواضع هذا الكتاب ، لكنّه عند من ارتاضت نفسه بالفلسفة يرجح على كثير من البراهين الأخرى » « 1 » .
الرابع : برهان الفارابي
هذا البرهان جاء في كلمات الفارابي « 2 » المعلّم الثاني في كتابه فصوص
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 135 .
( 2 ) الفارابي نسبة إلى « فاراب » التركيّة ، أبو نصر محمد بن طرخان الحكيم المشهور ، وُلد في فاراب ونشأ بها ، ثمّ انتقلت به الأسفار إلى بغداد وحلب ودمشق ، وتوفّي بها في سنة 339 ه ، ويلقّب / / بالمعلّم الثاني . وله كتب في الفلسفة والحكمة والأخلاق والمنطق ، وله رسائل كثيرة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهّر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها . ويُقال إنّه وُجد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي : « إنّي قرأت هذا الكتاب مئة مرّة » . انظر : معجم المطبوعات العربيّة ، إليان سركيس ، طبعة سنة 1410 ه ، مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، قم المقدّسة : ج 2 ص 1427 .