أجاب صدر المتألّهين عن هذا الإشكال بقوله : « هذا مدفوع بما أشرنا إليه سابقاً من أنّ القصور يستلزم المعلوليّة ، إذ الحقيقة الوجوديّة لا يمكن أن تكون ذاتها بذاتها من غير علّة ، مستلزمة للقصور ، إذ القصور معناه غير معنى الوجود ، لأنّ القصور عدميّ ، والشيء لا يستلزم عدمه ، بخلاف الكمال ، فإنّ كمال الشيء تأكيد فيه . فالخط الأطول من خطّ آخر ، يصحّ أن يُقال كمال بنفس طبيعة الخطّية ، وأمّا الخطّ الأقصر فلا يصحّ أن يقال : قصره بطبيعة الخطّية ، بل بعدم مرتبة من تلك الطبيعة .
فكلّ خط إذا لم يكن متناهياً ، يصحّ أن يقال : إنّه ليس فيه شيء غير طبيعة الخطّية ، وأمّا الخطّ المتناهي ، ففيه خطّ وشئ آخر لا يقتضيه الخطّية ، أعني النهاية والحدّ .
فإذن كلّ وجود متناهي الشدّة ، لابدّ أن يكون له علّة محدّدة غير نفس وجوده الخاصّ ، عيّنت وحصّلت تلك العلّة مرتبة من الطبيعة الوجوديّة ، والمعلوليّة تنافي وجود الوجود ، أي كون الشيء موجوداً بالضرورة الأزليّة ، فاستحال تعدّد الواجب » « 1 » .
بمعنى أنّ مجرّد فرْض واجبين بالذات يستلزم أن يكون أحدهما في رتبة أعلى من الآخر ، ولا يمكن أن يكونا معاً في رتبة وجوديّة واحدة ، وذلك لما تقدّم في تقرير برهان الصدّيقين على مباني الحكمة المتعالية أنّ الواجب تعالى
لابدّ أن يكون بنحو لا يمكن أن يتصوّر ما هو أتمّ منه . وهذا ما صرّح به صدر المتألّهين حيث قال : إنّ الواجبيّة « تقتضي الكمال الأتمّ الذي لا نهاية له شدّة ، إذ كلّ مرتبة أخرى منها دون تلك المرتبة في الشدّة ، ليست صرْف الوجود ، بل هي مع قصور ، وقصور كلّ شيء هو غير ذلك الشيء بالضرورة .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 60 .