ذ أمّا الوحدة الحقّة ، فالمراد منها هو أن تكون الذات عين الوحدة ، بمعنى أنّه لا يمكن أن تتكثّر مع بقاء ذاتها ، وعليه فلا يتصوّر زوال وحدتها إلّا بعد زوال ذاتها ، فزوال الوحدة لا يمكن فرضه ، ولذا عرّف المصنّف في بداية الحكمة الوحدة الحقّة بأنّها : « الوحدة التي يستحيل معها فرْض التكثّر » « 1 » .
إذن فليست الوحدة الحقّة كما أشير في النصّ السابق هي مجرّد أن تكون عين الذات ، وإلّا لو كان ذلك كافياً في كون الوحدة وحدة حقّة ، لكانت وحدة الوحدة نفسها أيضاً وحدة حقّة ، لما ذكره المصنّف « من أنّ وحدة الوحدة هي عين ذاتها ، فهي واحدة بذاتها » « 2 » نظير الوجود فإنّه موجود بذاته ، مع أنّهم عدّوا وحدة الوحدة من أقسام الوحدة غير الحقّة ، وهذا ما أشار إليه المصنّف بقوله : « والواحد بالوحدة غير الحقّة ، إمّا واحد بالخصوص
وإمّا واحد بالعموم . . . والواحد بالخصوص ، إمّا أن لا ينقسم من حيث طبيعته المعروضة للوحدة أيضاً كما لا ينقسم من حيث صفة وحدته أو ينقسم ، والأوّل إمّا نفس مفهوم الوحدة وعدم الانقسام وإمّا غيره . . » « 3 » وليس ذلك إلّا لأنّ وحدة الوحدة لا تمنع أن تتكثّر ، بأن تكون هناك وحدة أخرى هي أيضاً عين الوحدة ، وهكذا . فيمكن تعدّدها ، وبتعدّدها يحصل العدد ، وهذا بخلاف الوحدة الحقّة ، ولذا سمّوا هذه الوحدة بأنّها واحد لا بالعدد .
ذ أمّا الوحدة العدديّة ، وهي التي تقع في قِبال الوحدة الحقّة ، فهي التي إذا انضمّ إليها شيء آخر صارا اثنين ، وإذا انضمّ إليهما آخر صرن ثلاثة ، وهكذا .
ومن أهمّ خصائص الوحدة العدديّة ، المحدوديّة والانتهاء ، فما لم ينته الأوّل لا تصل النوبة إلى الثاني ، على خلاف الوحدة الحقّة ، فإنّها غير محدودة
هامش
( 1 ) بداية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل الثاني من المرحلة الثانية عشرة ، ص 157 .
( 2 ) المصدر نفسه : الفصل الأوّل من المرحلة السابعة ، ص 140 .
( 3 ) المصدر نفسه : الفصل الثاني من المرحلة السابعة ، ص 140 .