الصرافة في الماهيّة : يُراد بها الماهيّة المطلقة . أي : أنّ كلّ ماهيّة سواء كانت ماهيّة نوعيّة أم جنسيّة إذا جُرّدت عن جميع العوارض المشخّصة فهي واحدة صرفة ، نظير ماهيّة البياض فهي ماهيّة صرفة لا تتكرّر ولا ثاني لها ، وكلّما فرضنا لها ثانياً عاد أوّلًا . ومن خصائص صرافة الماهيّة أنّها وإن كانت لا تتكرّر ولا ثاني لها إلّا أنّها لا تمنع من وجود ماهيّة أخرى صرفة غيرها ، فإنّ ماهيّة البياض وإن كانت صرفة لكنّها لا تمنع من تحقّق ماهيّة صرفة أخرى كماهيّة السواد ، وماهيّة الإنسان والشجر . . .
وفي هذا الضوء يتّضح أنّه بناءً على أصالة الماهيّة ، فإنّ الواجب تعالى وإن كان حقيقة صرفة لا تتكرّر ؛ إلّا أنّ ذلك لا يمنع من وجود ماهيّة أخرى
صرفة بواجب آخر . وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ الصرافة في البرهان المذكور ليس المقصود منها الصرافة في الماهيّة ؛ لأنّها لا تمنع من تحقّق ماهيّة صرفة أخرى ، فلا تنفي تعدّد الواجب تعالى .
الصرافة في الوجود : وهي تساوق البساطة واللا تناهي ، الذي يستحيل أن يكون له ثانٍ ، لأنّ فرض الثاني يستلزم تحديد الأوّل ، وحيث إنّ الأوّل لا حدّ له ولا متناهٍ ، فلا يمكن فرض الآخر . فالصرف الملازم لعدم التناهي هو معنى الواحد بالوحدة الحقّة التي يستحيل معها فرض آخر ، وعليه يُحمل كلام شيخ الإشراق القائل : « صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلّما فرضته ، فإذا نظرت فهو هو ، إذ لا ميز في صرف الشيء » « 1 » .
وهذا هو المعنى المُراد من الصرافة في البرهان المذكور ، التي ترجع إلى الكمال اللامتناهي ، وهذا هو المراد من الصرافة في الاستدلال .
فحيث إنّ الواجب تعالى صرف بسيط غير مركّب بأيّ نحو من أنحاء التركيب ، فتكون وحدته وحدة حقّة يستحيل معها فرض واجب آخر ، وذلك
هامش
( 1 ) مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق ، التلويحات : ج 1 ص 35 .