تحمل العلّة على المعلول هو وجود كمال المعلول في العلّة بنحو أعلى وأشرف ، وأنّهما متّحدان في أصل الوجود والكمال ، وأنّ المعلول رقيقة وجود العلّة ، والعلّة حقيقة وجود المعلول ، فما به الاتّحاد في هذا القسم من الحمل هو أصل الوجود والكمال ، وما به الاختلاف هو في المصداق ، أي أنّ أحد المصداقين حقيقة ذلك الكمال ، والمصداق الآخر رقيقته .
إذا تبيّن ذلك يتّضح معنى قولنا : ( إنّ الواجب واجد لكلّ وجود وكمال وجوديّ ) ، أي أنّ حمل الأشياء على الواجب هو حمل الرقيقة على الحقيقة لا حملًا أوّليّاً ولا شائعاً وهو حمل الأشياء على الواجب من جهتها الإيجابيّة والكماليّة فقط ، لا من جهاتها السلبيّة . وهذا هو معنى قولهم : « إنّ الله كلّ الأشياء وليس بشيء منها » أي إنّ الله واجد لوجودات وكمالات الأشياء لا بحدودها وسلبيّاتها ، من قبيل النور الذي إضاءته ألف درجة مثلًا ، فهو واجد لكمال النور الذي درجته عشرون ، لكن ليس بحدّ العشرين ، لأنّه لو كان
واجداً للضوء ذي الدرجة عشرين مع حدّه ، لكان نوراً وموجوداً آخر ، مع أنّه نور ذو وجود واحد بسيط ، لكنّه شديد .
وإلى هذه الحقيقة أشار صدر المتألّهين بقوله : « البرهان قائم على أنّ كلّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة ، إلّا ما يتعلّق بالنقائص والأعدام ، والواجب ( تعالى ) بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجوه ، فهو كلّ الوجود ، كما أنّ كلّه الوجود » « 1 » .
وقد توغّل المصنّف في بيان مرتكزات هذه الفكرة في قوله : « وممّا يجب أن لا تغفل عنه أنّ هذا الحمل ( أعني حمل الأشياء على بسيط الحقيقة ) ليس من قبيل الحمل الشايع ؛ فإنّ الحمل الشايع كقولنا : زيد إنسان ، و : زيد قائم يحمل فيه المحمول على موضوعه بكلتا حيثيّتي إيجابه وسلبه اللّتين تركّبت
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 110 .