الإشكالات المتوجّهة على الاستدلال
تعرّض المصنّف للإجابة عن إشكالين وُجّها على الاستدلال :
الإشكال الأوّل :
إنّ ما تقدّم من القول بأنّ الواجب تعالى لا يسلب منه كمال وجوديّ ، ينافي ما ثبت بالبرهان من أنّ للواجب تعالى صفات سلبيّة من قبيل أنّه تعالى ليس بجسم وليس بجوهر ولا عرض . . . في حين إنّ الجسم والجوهر والعرض ونحوها كلّها وجودات ، فكيف التوفيق بين القول إنّه تعالى واجد لكلّ وجود وكمال وجوديّ ، وبين القول إنّ الواجب ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا حركة . . .
جوابه : من الواضح أنّ ما ذكره المستشكل ممّا يُسلب عن الباري تعالى إنّما هي ماهيّات ، فالجسم والجوهر والعرض كلّها ماهيّات ، وحيث إنّ الماهيّة حدّ الوجود ، والحدّ أمرٌ عدميّ ، فيكون السلب في الحقيقة لحدودها الماهويّة التي هي أمور عدميّة ، ومن الواضح أنّ سلب العدم لازمه إثبات الكمال . فالجسميّة والجوهريّة والعرضية ليست كمالات حتّى إذا ما سُلبت عن الواجب تعالى يُقال إنّه سلب كمالٍ وجوديّ ، وإنّما هي سلب نقص وعدم .
إن قيل : أليس الجسم وجوداً ؟
قلنا : نعم للجسم وجودٌ وهو ليس عدماً ، إلّا أنّ وصف هذا الوجود بالجسميّة ليس وصفاً لوجوده ، وإنّما وصف لمحلّ انتهائه وحدّه من الطول والعرض والعمق ، كذلك حين نقول : « إنسان » ، فإنّه ليس وصفاً لوجود الإنسان وإنّما لانتهائه ، وهو الحدّ الذي هو أمرٌ عدميّ .
وفي هذا الضوء فإنّ سلب الجسميّة عن الواجب ليس هو سلباً لأصل الوجود ، وإنّما هو سلب لحدّ الوجود الذي هو أمرٌ عدميّ ، فكمال الوجود الجسماني واجدٌ له تعالى ، أمّا المسلوب فهو حدّ الوجود الجسماني ، من قبيل العدد مئة فهو يملك كمال التسعين لكن ليس مع حدّ التسعين ، وإلّا لما كانت