برهانٌ آخر : لو تَرَكَّبَتْ ذاتُ الواجبِ تعالى من أجزاءٍ ، لم يخلُ إمّا أن يكونَ جميعُ الأجزاءِ واجباتٍ بذواتِها ، وإمّا أنْ يكونَ بعضُها واجباً بالذات وبعضُها ممكناً ، وإمّا أن يكونَ جميعُها ممكناتٍ .
والأوّلُ محالٌ ، إذْ لَو كانتِ الأجزاءُ واجباتٍ بذواتِها ، كان بينَها إمكانٌ بالقياسِ كما تقدَّم وهُوَ ينافي كونَها أجزاءً حقيقيّةً لمركّبٍ حقيقيٍّ ذي وحدةٍ حقيقيّةٍ ، إذْ مِنَ الواجبِ في التركيبِ أنْ يحصلَ بينَ الأجزاءِ تعلّقٌ ذاتيٌّ يحصلُ به أمرٌ جديدٌ وراءَ المجموعِ ، لهُ أثرُه وراءَ آثارِ كلِّ واحدٍ مِنَ الأجزاءِ .
والثاني محالٌ ؛ للزومِ افتقارِ الواجبِ بالذاتِ إلَى الممكنِ ، على أنَّ لازمَهُ دخولُ الماهيّةِ في حقيقةِ الواجبِ ؛ لِما تقدّم في مرحلةِ الوجوبِ والإمكانِ : أنَّ كلِّ ممكنٍ فلهُ ماهيّةٌ .
والثالثُ أيضاً محالٌ بمثلِ ما تقدّمَ .
وهذهِ البراهينُ غيرُ كافيةٍ في نفيِ الأجزاءِ المقداريّةِ كما قالوا لأنّها أجزاءٌ بالقوّةِ لا بالفعلِ ، كما تقدّمَ في بحثِ الكمِّ مِنْ مرحلةِ الجواهرِ والأعراضِ .
وقد قيلَ في نفيِها : إنّه لو كانَ للواجبِ جزءٌ مقداريٌّ ، فهو إمّا ممكنٌ فيلزمُ أن يخالِفَ الجزءَ المقداريَّ كلَّهُ في الحقيقةِ ، وهو محالٌ ، وإمّا واجبٌ فيلزمُ أن يكونَ الواجبُ بالذاتِ غيرَ موجودٍ بالفعلِ ، بل بالقوّةِ ، وهو محالٌ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 208
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٠٨