تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
مأخوذين في حدّها ، بمعنى أنّنا إذا أخذنا بعين الاعتبار ماهيّة من الماهيّات كالإنسان مثلًا ، فإنّه من حيث هو إنسان ، مغاير لكونه موجوداً أو معدوماً . إلّا أنّ هذا لا يثبت أنّ كلّ ما له ماهيّة فهو ممكن الوجود ، بمعنى أنّه يمكن أن يوجد ويمكن أن يعدم ، أي مسبوق بالعدم وملحوق به . والدليل على ذلك هو : كما أنّ ماهيّة الإنسان من حيث هو إنسان خلو في حدّ ذاته عن الوجود والعدم ، فكذلك العلّة والوحدة والعلم والقدرة وسائر المعقولات الثانية الفلسفيّة والمنطقيّة . والحاصل أنّه إذا كان مجرّد كون الشيء خلواً من الوجود والعدم بمعنى عدم كون الوجود أو العدم مأخوذاً في ذاته كافياً لاتّصاف الشيء بالإمكان ومصحّحاً له ، فكلّ ما هو غير الوجود والعدم خلوٌ عنهما ، ولابدّ أن يتّصف بالإمكان ، ولا يختصّ ذلك بالماهيّة . فإذن ما ورد أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي وإن كان صحيحاً ، إلّا أنّ هذا الحكم لا يختصّ بالماهيّة ، فإنّ كلّ ما فرضته فهو ، من حيث هو ، لا يكون إلّا هو . وعلى هذا فلا تنافي هذه القاعدة كون الشيء واجباً أو ممتنعاً من غير أن يؤخذ الوجوب أو الامتناع في حدّ الماهيّة . وهذا ما صرّح به صدر المتألّهين في صفات الواجب تعالى الذاتيّة ، حيث قال عنها : « إنّها معانٍ متكثّرة معقولة في غيب الوجود الحقّ تعالى ، متّحدة في الوجود ، واجبة غير مجعولة ، ومع ذلك يصدق عليها أنّها بحسب أعيانها ما شمّت رائحة الوجود ؛ لما ثبت وتبيّن أنّ الموجود بالذات هو الوجود ، فهي ( أي المعاني الذاتيّة ) ليست بما هي هي موجودة ولا معدومة ، وهذا من العجائب التي يحتاج نيلها إلى تلطّف شديد للسريرة » « 1 » . إذن فقولهم : « كلّ ما له ماهيّة فهو ممكن » تامّ ، إذا لم يكن المراد من الإمكان ما يقابل الوجوب والامتناع ، وإنّما المراد منه أنّ الوجود والعدم غير مأخوذين
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 144 .