قَد تقدّمتِ المسألةُ في مرحلةِ الوجوبِ والإمكانِ ، وتبيّنَ هناك أنَّ كلَّ ما لهُ ماهيّةٌ فهوَ ممكنٌ ، وينعكسُ إلى أنَّ ما ليسَ بممكنٍ فلا ماهيّةَ لهُ ، فالواجبُ بالذاتِ لا ماهيّةَ لهُ ، وكذا الممتنعُ بالذاتِ .
وأوردْنا هناكَ أيضاً الحجّةَ المشهورةَ التي أقامُوها لنفيِ الماهيّةِ عنِ الواجبِ تعالَى وتقدَّسَ ، وهيَ أنّهُ لَو كانتْ للواجبِ تعالَى ماهيّةٌ وراءَ
وجودهِ ، كانتْ في ذاتِها لا موجودةً ولا معدومةً ، فتحتاجُ في تلبُّسِها بالوجودِ إلى سببٍ .
والسببُ إمّا ذاتُها أو أمرٌ خارجٌ مِنها ، وكلا الشِّقَّينِ محالٌ .
أمّا كونُ ذاتِها سبباً لوجودِها ، فلأنَّ السببَ متقدِّمٌ على مسبِّبِه وجوداً بالضرورةِ ، فيلزَمُ تقدُّمُها بوجودِها على وجودِها ، وهو محالٌ . وأمّا كونُ غيرِها سبباً لوجودِها ، فلأنّهُ يَستلزِمُ معلوليّةَ الواجبِ بالذاتِ لذلكَ الغيرِ ، فيكونُ ممكناً وقَد فُرِضَ واجباً بالذاتِ ، هذا خلفٌ . فكونُ الواجبِ بالذاتِ ذا ماهيّةٍ وراءَ وجودِه ، محالٌ . وهُوَ المطلوبُ .
وهذهِ حجّةٌ برهانيةٌ تامّةٌ لا غُبارَ علَيها .
ونقضُها بالماهيّةِ الموجودةِ التي للممكناتِ بتقريبِ : إنَّ فرْضَ كونِ الماهيّةِ المفروضةِ للواجبِ علّةٌ فاعليّةٌ لوجودِها ، لوِ اقتضى تقدُّمَ الماهيّةِ على وجودِها المعلولِ لها ، لزمَ نظيرُه في الماهيّاتِ الموجودةِ للممكناتِ ، فإنَّ ماهيّةَ الممكنِ قابلةٌ لوجودِه ، والقابلُ كالفاعلِ في وجوبِ تقدُّمِه على ما يَستنِدُ إليهِ غيرُ مستقيمٍ ، لأنَّ وجوبَ تقدُّمِ القابلِ على مقبولهِ بالوجودِ إنّما هو في القابلِ الذي هو علّةٌ مادّيةٌ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 168
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٨