الدليل الثاني وحاصله : هو أنّ النفس لكونها مجرّدة ، أقوى تجوهراً وأشرف وأشدّ وجوداً من الجسم والجسماني ، ومن الواضح أنّ الأخسّ والأضعف لا يكون علّة للأشرف والأقوى ؛ لأنّ العلّة لابدّ أن تكون أشرف وأقوى من المعلول كما تقدّم في مباحث العلّة والمعلول وبتبعير صدر المتألّهين : « البداهة حاكمة بأنّ العلّة المؤثّرة هي أقوى لذاتها من معلولها » « 1 » .
وبعد بيان هذه المقدّمات من أنّ النفس مجرّدة ، حادثة ، ممكنة ، علّتها لا جسم ولا جسمانيّ يتبيّن أنّ علّة النفس لابدّ أن تكون أمراً مجرّداً ، فإن انحصر هذا الأمر المجرّد بالواجب بالذات فهو المطلوب ، وإن لم ينحصر بالواجب فلابدّ أن ينتهي إلى الواجب بذاته دفعاً للدور والتسلسل .
إن قيل : إنّ النفس في أوّل الأمر غير مجرّدة على مبنى الحكمة المتعالية لأنّها جسمانية الحدوث روحانيّة البقاء ، وبذلك يبطل هذا الاستدلال لأنّ أحد مقدّماته هو تجرّد النفس ؟
فالجواب : إنّ النفس وإن كانت جسمانيّة الحدوث على مبنى الحكمة
المتعالية إلّا أنّها مجرّدة بقاءً ، فيتمّ الاستدلال من خلال تجرّدها البقائي .
هذا تمام الكلام في الاستدلال على إثبات الواجب تعالى من خلال النفس الإنسانيّة .
خصائص برهان النفس
من أهمّ خصائص برهان النفس ما يلي :
1 اتّحاد الطريق والمستدلّ ، إذ إنّ الطريق هو النفس الإنسانيّة ، والمستدلّ هو نفس الإنسان أيضاً ، وعلى هذا الأساس يأتي برهان النفس بالمرتبة الثانية بعد برهان الصديقين الذي يتّحد فيه الطريق والغاية من حيث الأشرفيّة
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 2 ص 187 .