المعلول وهو النفس لا ينفكّ عن علّته وهي الجسم بالفرض ، وهو واضح البطلان ؛ إذ ليس كلّ جسم ذا نفس إنسانيّة .
أمّا سبب عدم كون الجسماني علّة للنفس الإنسانية ، فلأنّ الجسماني سواء كان صورة جوهريّة أو عرضاً مادّياً أو نفساً أو كيفاً نفسانياً لا يفعل إلّا مع وضع خاصّ بينه وبين المادّة . فإنّ تسخين النار مثلًا لا يتحقّق إلّا في وضع خاصّ من الملاقاة مع النار أو القُرب منها ، وكذلك إضاءة نور الشمس فإنّها لا تضيء إلّا إذا كان الجسم مقابلًا لجرمها أو ما في حكم المقابلة ، ولذلك لا تفعل النار في البعيد ولا الشمس في المستور . والسبب في عدم تأثير العلل الجسمانيّة إلّا في وضع خاصّ بينها وبين المادّة « لأنّها لمّا احتاجت إلى المادّة في وجودها احتاجت إليها في إيجادها ، الذي هو فرع وجودها ، وحاجتها إلى المادّة في إيجادها هو أن يحصل لها بسبب المادّة وضع خاصّ مع معلولها » « 1 » . وحيث إنّ النفس الإنسانيّة لا وضع لها لأنّها مجرّدة كما تقدّم ، فلا يكون الجسماني علّة لها ، وبهذا يتّضح أنّ علّة النفس لابدّ أن يكون أمراً مجرّداً عن الجسم والجسماني ؛ قال الرازي : « إنّه لا يجوز أن تكون علّة النفوس أمراً جسمانيّاً ، لأنّ الصور الجسمانيّة إنّما تؤثّر بواسطة الوضع ، ويمتنع حصول
الوضع في ما لا وضع له » « 2 » .
إشكالان وجواب
ذكر في المقام إشكالان حيال ما تقدّم من عدم علّية الجسم والجسماني للنفس الإنسانيّة :
الإشكال الأوّل : لو كانت العلل الجسمانيّة لا تؤثّر إلّا بوضع خاصّ ، فإنّ
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل الخامس عشر من المرحلة الثامنة ، ص 194 .
( 2 ) المباحث المشرقيّة في علم الإلهيّات والطبيعيّات ، مصدر سابق : ج 2 ص 402 .