تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ذلك يستلزم أن لا يوجد جسم ولا جسمانيّ ولا أيّ من أوصافه ، لأنّ بين الجسم وأوصافه وبين المبادئ العالية المفيضة لا يوجد أيّ وضع ؛ إذ لا وضع للمجرّدات كما هو واضح . قال صدر المتألّهين : « إنّ قولهم : إنّ القوى الجسمانيّة لا تفعل ولا تنفعل إلّا بتوسّط الوضع ، مستلزم لأن لا ينفعل ولا يوجد جسم ، ولا صفة له من المبادئ المفارفة ، إذ لا يتصوّر وضع بين المادّي والمفارق » « 1 » . والجواب : إنّ شرطيّة الوضع الخاصّ في الأجسام هو لأجل فعلها ومؤثّريّتها وليس لأجل انفعالها ، وعلى هذا الأساس فإنّ الأجسام وأوصافها منفعلة عن المبادئ العالية ، لا أنّها فاعلة ، وانفعال المادّي عن المجرّد لا يتوقّف على وضع خاصّ ، فإنّ تأثير المجرّد في الجسماني « غير محتاج في فعله إلى المادّة بما فيها من وضعها ، وتخصيص حال لها بالنسبة إليه حتّى يفعل ، بل يكفيه وجود ذاته في أن يفعل في المستعدّات ، بل نسبة الجميع إليه نسبة واحدة عامّة . فإنّ ذوات الأوضاع في أنفسها ، ليست بذوات أوضاع بالقياس إليه ، وإن كانت كذلك بقياس بعضها إلى بعض » « 2 » . الإشكال الثاني : لو كانت العلل الجسمانيّة لا تؤثّر إلّا بوضع خاص ، فيلزم أن لا يؤثّر البدن وأحواله في النفس ؛ لتجرّدها . والجواب عن ذلك : إنّ النفس غير متأثّرة بالبدن من حيث تجرّدها عن البدن ، أمّا من جهة فعلها فهي مادّية . هذا على مبنى المشّاء ، أمّا على مبنى الحكمة المتعالية ، فإنّ النفس جسمانيّة الحدوث ثمّ تتجرّد شيئاً فشيئاً من خلال الحركة الجوهريّة ، وعلى هذا تكون مؤثّرية البدن في النفس بمقدار مادّيتها « 3 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 46 . ( 2 ) المبدأ والمعاد ، مصدر سابق : ص 20 . ( 3 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 6 ص 47 .