قال صدر المتألّهين : « إنّ هذه النفوس حادثة بحدوث الأبدان ، إذ قد ظهر أنّها متجدّدة مستحيلة من أدنى الحالات الجوهريّة إلى أعلاها ، ولو كانت في ذاتها قديمة ( أي غير حادثة بحدوث البدن ) لكانت كاملة الجوهر فطرةً وذاتاً ، فلا يلحقها نقص وقصور ، ولو لم تكن في ذاتها ناقصة الوجود لم تكن مفتقرة إلى آلات وقوى ، بعضها نباتية وبعضها حيوانية » « 1 » .
الدليل الرابع : ومن الأدلّة الأخرى في المقام هو أن يقال : لو كانت النفس موجودة قبل البدن ، فإمّا أن تكون موجودة بصورة وجود واحد ، أو بوجودات متعدّدة متكثّرة . وهذا لا يخلو من أحد وجوه خمسة :
ذ الأوّل : وحدة النفوس قبل التعلّق بالأبدان ، ويكون حالها بعد التعلّق كذلك .
ذ الثاني : أن تكون واحدة قبل التعلّق بالأبدان ، لكنّها بعد التعلّق تكون كثيرة متعدّدة .
ذ الثالث : أن تكون كثيرة بعدد الأبدان قبل التعلّق بها ، مع كون التكثّر إنّما هو بحسب الماهيّة النوعيّة .
ذ الرابع : أن تكون كثيرة بعدد الأبدان قبل التعلّق بها ، مع كون التكثّر بلوازم الماهيّة ، مع وحدة ماهيّتها النوعيّة .
ذ الخامس : أن تكون كثيرة بعدد الأبدان قبل التعلّق ، مع كون التكثّر بعوارض الماهيّة المفارقة .
والوجه الأوّل باطل ، لأنّه لو كان كذلك للزم منه أن يكون ما علمه فرد من الإنسان عَلِمه جميع أفراد الإنسان ، وما جهله فرد منه جهله جميع الأفراد ، وهكذا في أيّ حالة نفسانيّة أخرى . وهو واضح البطلان بالوجدان .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 8 ص 330 .