تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
بسيطة ، بل مركّبة قابلة للانقسام ، والتالي باطل ، فالمقدّم مثله . فالنفس ليست جسماً ولا جسمانيّاً . ويمكن عرض هذا الدليل من خلال قياسين : الأوّل : قياس من الشكل الأوّل ، مفاده : النفس الناطقة محلّ للعلم البسيط . وكلّ ما هو كذلك فهو ليس بمنقسم ، وإلّا لو انقسم البسيط الذي فيه ، هذا خلف . إذن النفس الناطقة ليست بمنقسمة . الثاني : قياس من الشكل الثاني ، مفاده : النفس الناطقة ليست بمنقسمة ، وكلّ جسم وجسمانيّ منقسم . إذن النفس الناطقة ليست بجسم ولا جسماني ، أي هي مجرّدة . الدليل الرابع : إنّا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنىً نحكي عنه ب « أنا » ، ولا نشكّ أنّ كلّ إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنها حيناً من أحيان حياتنا وشعورنا . فلو كان هذا المشاهَد بالوجدان هو البدن أو شيئاً من أعضائه أو أجزائه ، أو خاصّة من الخواصّ الموجودة فيها وهي جميعاً مادّية ، ومن حكم المادّة التغيّر التدريجي وقبول الانقسام والتجزّي لكان مادّياً متغيّراً وقابلًا للانقسام ، وهو ليس كذلك ، فإنّ كلّ أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانيّة اللازمة لنفسه ، وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه ، وجده معنىً مشهوداً واحداً باقياً على حاله من غير أدنى تعدّد وتغيّر . وهذا بخلاف ما يجده من بدنه وأجزاء بدنه ، والخواصّ الموجودة معها ، فإنّها متغيّرة متبدّلة من كلّ جهة ، في مادّتها وشكلها وسائر أحوالها وصورها . إذن فهذا المشهود أمرٌ مستقلّ في نفسه ، لا ينطبق عليه حدّ المادّة ولا يوجد فيه شيء من أحكامها اللازمة لها ، فهو جوهر مجرّد عن المادّة ، متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتّحاداً ما له بالبدن ، وهو التعلّق التدبيري .