ذ مبنى القيام الصدوري ، حيث يكون المدرَك قائماً بالمدرِك قياماً صدوريّاً لا حلوليّاً ، بمعنى أن تكون الصورة المعقولة معلولة ، والنفس علّة لها .
فعلى جميع هذه المباني لابدّ أن يكون المدرِك مجرّداً عن المادّة ولواحقها .
فأمّا على الثاني فواضح ، لأنّ المدرَك وهو المفهوم الكلّي إذا كان مجرّداً ، فلابدّ أن يكون ما هو متّحد معه وهي النفس مجرّداً أيضاً .
وكذلك على الثالث ، وذلك لأنّ المعقول وهو مجرّد صادر عن العاقل ، فلابدّ أن يكون مجرّداً أيضاً ، إذ لا يعقل أن تكون العلّة مادّية والمعلول مجرّداً ، وذلك لأنّ المادّي أضعف من المجرّد ، فلا تكون العلّة أضعف من المعلول .
وهكذا الحال على مبنى الحلول فإنّه لابدّ أن يكون المدرِك مجرّداً ، وإلّا لزم أن يكون العارض مجرّداً ومعروضه ماديّاً جسمانيّاً ، وهو محال ، لأنّ كلّ قوّة تكون ذاتها جسمانيّة تكون أفعالها وانفعالاتها أيضاً كذلك .
وعلى هذا فالصور التي تدركها القوّة الجسمانيّة تكون حاصلة في مادّة تلك القوّة ، وكلّ صورة حصلت في مادّة جسميّة تكون مخصّصة بوضع وجهة وكمّ وكيف ، فلم تكن كلّية مطلقة محمولة على كثرة متخالفة الأوضاع والأحوال ، فتكون محسوسة لا معقولة ، هذا خلف ، لأنّنا فرضناها كلّية لا يمتنع فرض صدقها على كثيرين ، بينما المحسوسة يمتنع فرض صدقها على كثيرين .
الدليل الثالث : يمكن عرضه من خلال مقدّمتين :
ذ الأولى : النفس تدرك بعض المفاهيم البسيطة التي لا تنقسم ، كمفهوم الوحدة والوجود وواجب الوجود والإمكان ، وكذلك المقولات العالية .
ذ الثانية : أنّ هذه المفاهيم موجودة للنفس إمّا بنحو القيام الحلولي أو القيام الصدوري أو الاتّحاد .
فلو كانت النفس جسماً أو جسمانيّاً لكانت قابلة للانقسام ، فإذا انقسمت انقسم ما فيها من مفاهيم حتّى البسيطة منها ، فلا تكون المفاهيم البسيطة
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 117
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٧