برهانٌ آخرُ ، أقامَهُ الطبيعيّونَ أيضاً مِن طريقِ النفسِ الإنسانيّة .
تقريرُه : أنَّ النفسَ الإنسانيّةَ مجرّدةٌ عَنِ المادّةِ ذاتاً ، حادثةٌ بما هي نفسٌ بحدوثِ البدنِ ، لامتناعِ التمايزِ بدونِ الأبدانِ واستحالةِ التناسخِ في محلّهِ ، فهيَ ممكنةٌ مفتقرةٌ إلى علّةٍ غيرِ جسمٍ ولا جسمانيّةٍ . أمّا عدمُ كونِها جسماً ، فلأنّها لو كانتْ جسماً ، كان كلُّ جسمٍ ذا نفسٍ ، وليسَ كذلك . وأمّا عدمُ كونِها جسمانيّةً ، فلأنّها لو كانتْ جسمانيّةً سواءٌ كانتْ نفساً أخرى أو صورةً جسميّةً أو عَرَضاً جسمانيّاً كان تأثيرُها بتوسّطِ الوضعِ ، ولا وضعَ للنفسِ معَ كونِها مجرّدةً . على أنَّ النفسَ لتجرّدِها أقوَى تجَوْهُراً وأشرفُ وجوداً مِن كلِّ جسمٍ وجسمانيّ ، ولا معنَى لعلّيةِ الأضعفِ الأخسِّ للأقوَى الأشرفِ .
فالسببُ الموجِدُ للنفسِ أمرٌ وراءَ عالَمِ الطبيعةِ ، وهُوَ الواجبُ تعالى بلا واسطةٍ أو بواسطةِ عللٍ مترتّبةٍ تنتهي إليه .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 113
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٣