فإمّا أن يدور أو يتسلسل وقد ثبت بطلانهما ، فلابدّ أن ننتهي إلى محرّك غير مادّي ؛ لأنّه لو كان المحرّك مادّياً لكان متحرّكاً ؛ إذ إنّ كلّ موجود مادّي فهو متحرّك بجوهره وأعراضه ، إذن لابدّ أن يكون المحرّك أمراً مجرّداً ، ثمّ نقول : إن كان المجرّد منحصراً بالواجب تعالى فهو المطلوب وإن لم يكن منحصراً بالواجب ، فلابدّ أن ينتهي إلى الواجب ، إذ لو كان ممكناً لكان محتاجاً . ودفعاً للدور والتسلسل لابدّ أن ينتهي إلى واجب الوجود بالذات وهو المطلوب .
وبهذا يتّضح أنّنا استفدنا من بطلان الدور والتسلسل مرّتين :
الأولى : لإثبات وجود محرّك مجرّد .
الثاني : لإثبات انتهاء المحرّك المجرّد إلى الواجب تعالى ؛ بناءً على عدم انحصار المجرّد به تعالى .
إن قلت : إنّ لزوم انتهاء الحركة إلى محرّك غير متحرّك ، ينافي ما ذكر من أنّ علّة الحركة لابدّ أن تكون متحرّكة ، وهو الذي تبنّاه صدر المتألّهين في بعض البراهين التي أقامها على إثبات الحركة الجوهريّة كما ذكر ذلك المصنّف بقوله : « وقد احتجّ ( صدر المتألّهين ) على ما اختاره بوجوه مختلفة ، من أوضحها أنّ الحركات العرضيّة بوجودها سيّالة متغيّرة ، وهي معلولة للطبائع والصور النوعية التي لموضوعاتها ، وعلّة المتغيّر يجب أن تكون متغيّرة ، وإلّا لزم تخلّف المعلول بتغيّره عن علّته وهو محال » « 1 » .
قلت : إنّ ما ذكر من لزوم كون المحرّك متحرّكاً هو المحرّك الطبيعي ، أي
السبب القريب المباشر للتغيّر ، أمّا ما تنتهي إليه الحركة أي موجد الحركة والمتحرّك معاً فلا يلزم أن يكون متحرّكاً ؛ لأنّ إيجاد ذات المتحرّك عين إيجاد حركته وتجدّده ، وبذلك يصحّ استناد المتحرّك إلى علّة ثابتة توجد ذاته « 2 » .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل الثامن من المرحلة التاسعة ، ص 207 .
( 2 ) المصدر نفسه : ص 125 .