والحاصل : أنّ النظر في مفهوم الوجود من حيث هو مفهوم حاصل في الذهن ، كيف يعقل أن يُقال إنّه لا يمكن تحقّقه إلّا بالواجب من دون الانتقال من المفهوم إلى الحقيقة . إذن فحقيقة الوجود لابدّ أن تكون ملحوظة في هذا الحكم ، كما هو مصرّح به في بيانات جملة من الذين علّقوا على برهان الشيخ .
قال اللاهيجي في الشوارق : « اعلم أنّ هذا المنهج أي بيان الشيخ أعني منهج الإلهيّين ، هو أوثق المناهج وأقواها وأتمّها وأهداها وأقلّها مؤونة وأكثرها معونة ، ويشبه أن يكون طريق الصدِّيقين الذين هم يستشهدون بالحقّ لا عليه ، لكونه نظراً في الوجود وهو عين حقيقته تعالى ، فيغني غناء البراهين اللمّية ، ويمكن الوصول إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعدما فرض إمكان وجوده » « 1 » .
الفرق الثاني :
إنّ برهان فلسفة المشّاء يرتكز على الإمكان الماهوي ، أمّا في برهان الحكمة المتعالية فلم يعتمد على ذلك ، لأنّ النظر إنّما هو إلى الوجود الخارجي ، وهو إمّا واجب بالذات وإمّا ممكن بالإمكان الفقري الذي هو عين التعلّق والارتباط بالواجب . ولذا أشكل صدر المتألّهين على برهان المشّائين وغيرهم بقوله : « وغير هؤلاء ( الصدّيقين ) يتوسّلون في السلوك إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره ، كالإمكان للماهيّة ، والحدوث للخلق ، والحركة للجسم أو غير ذلك » « 2 » .
إلّا أنّ هذا الفرق غير تامّ أيضاً ؛ لأنّ الإمكان الماهوي هو ما يقع وصفاً للماهيّة ، أمّا إذا وقع وصفاً للوجود ، فلا يكون إمكاناً ماهويّاً بل لا يعقل ذلك ، وإنّما هو إمكان فقريّ لا ماهويّ ؛ قال المصنّف : « إنّ موضوع الإمكان هو الماهيّة ، إذ لا يتّصف الشيء بلا ضرورة الوجود والعدم إلّا إذا كان في
هامش
( 1 ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ، للحكيم الإلهي العارف الشيخ عبد الرزّاق اللاهيجي ، الفصل الأوّل من المقصد الثالث : ص 496 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 14 .