« وهذا المسلك أقرب المسالك إلى منهج الصدّيقين وليس بذلك كما زعم » « 1 » .
من هنا حاول الأعلام بيان الفروق الموجودة بين التقريرين :
الفرق الأوّل :
أنّ الاستدلال في تقرير الشيخ إنّما هو بمفهوم الوجود ، وهو خارج عن ذات الواجب وحقيقته ، والشاهد على ذلك تعبيره « موجود
ما » فإنّ هذا خصوصيّة المفهوم لا المصداق ، وإلّا فإنّ المصداق لا يعقل أن يكون مبهماً غير متعيّن ، بخلاف تقرير صدر المتألّهين ، فإنّ النظر إنّما هو متوجّه إلى حقيقة الوجود الخارجي لا مفهومه . قال الشيرازي : « لأنّ هناك ( أي تقريره الخاصّ به ) يكون النظر إلى حقيقة الوجود ، وهاهنا ( أي تقرير الشيخ ) يكون النظر في مفهوم الوجود » ( 1 ) .
إلّا أنّ هذا الفرق غير صحيح ، لأنّ أخذ المفهوم بما هو مفهوم لا معنى له ، إذ إنّ المفهوم بما هو هو ، لا ينقسم إلى واجب وإلى ممكن كما هو واضح ، فالشيخ إنّما أخذ مفهوم الوجود لأجل حكايته عن حقيقة الوجود الخارجيّة ، وليس المراد به نفس مفهوم تلك الحقيقة ، فالمراد من مفهوم الوجود هو مصداقه الخارجي . أمّا التعبير ب « موجود ما » فهو لأجل الحكاية عن تلك الحقيقة الخارجيّة التي لا يعلم حكمها بعد .
وهذا ما نلمسه في كلّ برهان ، إذ لابدّ من تصوّر الموضوع والمحمول ، فلو أوجب تصوّر ذلك أن يكون نفس المفهوم مأخوذاً في الاستدلال ، يجري ذلك في برهان الصدّيقين الذي أقامه صدر المتألّهين أيضاً ، لأنّ في كلّ استدلال لابدّ من تصوّر أجزاء القضيّة . وهذا ما أشار إليه السبزواري في حواشيه على الأسفار أنّ أخذ المفهوم إنّما هو « من حيث السراية إلى المعنون ، ومن حيث إنّ مفهوم الموجود وجه الموجود الحقيقي بما هو موجود ، ووجه الشيء هو الشيء بوجه » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 26 .
( 2 ) المصدر نفسه : الحاشية رقم 1 ، ج 6 ص 27 .