الفصل الرابع والعشرون : في دوام الفيض
الفيض الإلهي ما يوهب ويعطى للممكنات على قدر قبولها الذاتي ، فالفيض هداية عمليّة للاستعدادات ومسايرة مع الموهبات ، وهذا هو سرّ الخلقة ، والكلام في هذا الفصل يرجع إلى مزعم البعض من أنّ الفيض الإلهي يلازم الدوام ، ودوامه يلازم قدم العالم ، لأنّ دوام وجوده لا يعني إلّاذلك . ولكن هذا لا يكون برهاناً لقدم العالم . وسيّدنا الماتن رحمه الله يروم ردّ هذا المزعم ، وأنّ دوام فيضه تعالى والّذي يصارح به العقل والنقل والفطرة والشهود لا يلازم قدم العالم ولأقدم لأيّ شيء من المجرّدات ، سيّما على القول بالحركة الجوهريّة ، لأنّ عليه ليس العالم إلّاالماهيّة المتجدّدة ، بمعنى أنّ ثباتها عين التجدّد حتّى لو لم يسلّم ذلك فلا دليل يدلّل على الملازمة بينهما ، أعني دوام الفيض وقدم العالم ، ولا أصل يعوّل عليه .
و ( قد تبيّن في الأبحاث السابقة أنّ قدرته تعالى هي مبدئيّته للإيجاد وعلّيّته لما سواه ) وهو العالم مطلقاً ( وهي ) أي مبدئيّته تعالى له ( عين الذات المتعالية ) فقدرته ومبدئيّتها وذاته المتعالية واحدة ( ولازم ذلك دوام الفيض واستمرار الرحمة وعدم انقطاع العطيّة ) كما قال : يا دائم الفضل على البريّة يا باسط اليدين بالعطيّة . . . .
( و ) لكن مع ذلك كلّه ( لا يلزم من ذلك ) الدوام الفيضي ( دوام عالم الطبيعة ) وذلك ( لأنّ المجموع ليس شيئاً وراء الأجزاء و ) قد قرّر وثبت غير كرّة أنّ ( كلّ جزء ) من هذا