العالم ممكن ( حادث ) و ( مسبوق ) كغيره ( بالعدم ) لكن أسلفنا ما في هذا البرهان . وهذا لا يعني أنّ النظريّة غير صحيحة .
( و ) من جانب آخر ( لاتكرّر في وجود العالم على ما يراه القائلون بالأدوار والأكوار ؛ لعدم الدليل عليه ) هذا ردّ لنظريّة الدور والكور القائلة بتكرّر حوادث العالم وفنائه وتكوّنه بما يشابه الأوّل . ذهب إليها بعض فلاسفة اليونان ، ومن أعظمهم هرقليطوس - هيراكليت - ، العائش في القرن السادس قبل الميلاد ، ومال إليه بعض الفلاسفة الإسلاميّين وقليل بل أقلّ من العرفاء والأُدباء . ومهما كان الأمر فهذه النظريّة ليست مبرهنة ؛ إذ لاسناد عليها عقليّاً وتجريبيّاً وحسّيّاً بل السند على خلافها ؛ إذ المدرَك والواقع الموضوعي للحسّ والعقل ليس إلّا العالم الواحد . والإنسان الواحد كائناً من كان لم يدرك عالمين يحكم بهما ؛ إذ النظريّة لاتذعن بإبقاء موجود من الدور الأوّل يشهد للثاني ويقض من المسبق للّاحق بشيء ولم يأت في النقل ما يؤيّده بوجهٍ بل هي أشبه شيء للتذوّق وغايته التحدّس في قاعة الخيال الفنّي .
( وما قيل ) محصّل الإشكال : إنّ العلّة الفاعليّة للحوادث - كمامرّ في محلّه - هي العقل المفارق وهو دائم ، ولو كانت العلّة دائميّة يكون المعلول دائميّاً . وأمّا تبدّل الأشخاص فهو بحصول الشرائط والمعدّات لوجودها ، وهي منبعثة من أوضاع الأجرام والأفلاك ، وبتكرّرها يتمّ المعلول وهو وجود أمثال أشخاصها دائميّاً . ولذا قال :
( إنّ الأفلاك والأجرام العلويّة دائمة الوجود بأشخاصها ) ومائزاتها وهويّاتها ( وكذلك ) في الدوام المذكور ( كلّيات العناصر والأنواع الأصيلة المادّيّة ) فإنّها ( دائمة الوجود ) وذلك ( نظراً إلى أنّ عللها مفارقة آبية عن التغيّر ) فلها حكم عللها .
شرح نهاية الحكمة — صفحة 790
مساهمون: علي علمي الاردبيلي
ص٧٩٠