الوجه ( الثالث : أن ذلك ) أي نسبة الأفاعيل إلى المثال المجرّد ( ممّا تقتضيه قاعدة إمكان الأشرف ) والذي يعطيه البحث والفحص أنّ أوّل من مارس القاعدة هو أرسطو حسب ما نقل عنه في كتاب السماء والعالم وتبعه فيه فلوطين في كتابه أُثولوجيا - أو العلم الإلهي - ومارسه في الحكمة الإسلاميّة ابن سينا في الشفاء والتعليقات والسهروردي في عمدة كتبه كحكمة الإشراق والتلويحات والمطارحات ، وعالجها بوجه المحقّق الداماد وتلميذه العبقري صدر المتألّهين محقّقاً فيها . والمتأخّرون لميمارسوه كالمتقدّمين سيّما في عصره لعلّه لضعف مبناها الحِكمي وسنقرأ منها بعض الأُمور :
ومهما كان الأمر هذه القاعدة مبرهنة عند الماتن متقنة . ولذا قال : ( وهي قاعدة مبرهن عليها ) وسيوعز رحمه الله إليه بعدئذٍ تحت عنوان التنبيه . والمراد هنا من عرض القاعدة بيان ما تمسّك بها لإثبات النوع المثالي ( فإذا وجد ممكن هو أخسّ وجوداً من ممكن آخر وجب أن يكون الممكن الذي هو أشرف منه موجوداً قبله ) هذا هو حصيلة القاعدة .
ثمّ شرع لبيان صلتها للمطلوب ( و ) أنّه ( لا ريب أنّ الإنسان الذي هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانيّة مثلًا أشرف وجوداً من الإنسان المادّي الذي هو بالقوّة بالنسبة إلى أكثر الكمالات الإنسانيّة ) شأن أشرفيّة كلّ ما هو بالفعل عن كلّ ما هو بالقوّة بعدُ ( فوجود الإنسان المادّي دليل على وجود مثاله العقلي قبله ، وكذلك الأفراد المادّيّة ) بالنّسبة ( لكلّ نوع مادّي وجودها دليل على وجود ربّ نوعها قبلها وهو ) أي ربّ النوع رغم كونه ربّاً ( فرد من النوع ) نفسه ( مجرّد في أوّل وجوده ) لكن يفترق عن سائر أفراد النوع بأنّ ( له فعليّة في جميع كمالات النوع ) كما وأنّه ( مخرج لسائر الأفراد من القوّة إلى الفعل مدبّر لها ) ولأفاعيلها . وقد أوعز إليه السهروردي في حكمة الإشراق بمايلى : « والإمكان الأشرف يقتضي وجود هذه الأنواع النوريّة المجرّدة » . « 1 »
هامش
( 1 ) . حكمة الإشراق ، ص 143