الفصل التاسع عشر : في ترتيب أفعاله وهو نظام الخلقة
يمارس الفصل لتعداد العوالم وقد سلف أنّها ثلاثة : عقلي ، ومثالي ، ومادّي ، وأمّا البرهان عليها فهو الذي حدى الماتن رحمه الله لعقد هذا البحث . وقد شدّد الشيخ السهروردي في حكمة الإشراق في إثبات عالم غيرهما متوسّطاً بينهما أسماه بعالم الأشباح المجرّدة والصور المعلّقة ، كما وجعل عالم النفوس مستقلّاً ، فقد كان المشهور عند الحكماء القُدامي وجود عالمين : العقلي والمادّي ، لكن بما ذكره يصير العوالم أربعة - لا أقّل بنظره ورأيه - ولم يرتض به الحكماء من بعده ، فلم يجعلوا عالم النفوس عالماً برأسه ، بل عدّوا العوالم ثلاثة : كما ذكرناها . والحقّ أنّه لا برهان قاطع لدينا لحصر العوالم للثلاثة ، فمن الممكن وجود غيرها ، وليس بمستنكر على اللَّه تعالى إيجاد عالم خاصّ غيرها .
ومهما كان الأمر فبدأ الماتن قدس سره لتقسيم الوجود للتوصّل به للعوالم بما يلي : ( قد اتّضح بالأبحاث السابقة أنّ للوجود الإمكاني وهو فعله تعالى انقسامات ) عديدة مرّ بعضها في أوائل الكتاب ( منها : انقسامه إلى مادّي ومجرّد ) والمادّي إلى أقسام كالجوهر والعرض وغير ذلك ( وانقسام المجرّد إلى مجرّد عقلي ومجرّد مثالي ، وأشرنا هناك إلى أنّ عوالم الوجود الكلّيّة ثلاثة : عالم التجرّد التامّ ) من غسق المادّة وطوارئه ( العقلي ، وعالم المثال ، وعالم المادّة والمادّيات ) .
ثمّ بدأ للبسط والبرهنة لوجود هذه العوالم كالتالي : ( فالعالم العقلي مجرّد تامّ ذاتاً