الفصل الرابع عشر : في العلّة المادّيّة والصوريّة
حان عندئذٍ البحث عن العلّتين : المادّيّة ، والصوريّة وهما لائحتان للمطالع الكريم لشدّة أُنسه بهما . والمادّة أصل الشيء وقد يوسم بالعنصر ، وقد يستعمل بمعنى الجسم ، وربما تطلق على حقيقة الشيء وجوهره ، ويقال لها باليونانيّة : الهيولى . وأمّا الصورة ، فهي أيضاً بمعنى الهيئة والظاهرة ، وتفسّر بالفورم والقالب والإطار والنحت وما إليها .
وقد رأيت لها في بعض الكتب الغربيّة معاني عديدة كما شاهدت لها تراجم مختلفة من المترجمين مختلفي الألسن والأداب .
ومهما كان الأمر فإنّ فيهما محالَّ للبحث من ناحيّة المراد منهما وجزئيّتهما للجسم المركّب وعلّيّتهما له علّيّة الجزء لكلّه باعتباره الخاصّ ، والإيعاز إلى عدم كفاية المادّة علّة ولزوم المحال منه ، وكذا معنى الصورة ونحو علّيّتها للمركّب منها ومن الجزء الآخر ونحو توقّفه عليها ، وأنّ الصور اللاحقة كيف تلحق للمادّة الأوّليّة كالصورة الجسميّة تلحقها الصورة النباتيّة ، ثمّ الحيوانيّة وهكذا . والإيعاز في نهاية المطاف إلى اتّحاد التركيب بين المادّة والصورة مبرهناً بأنّه لولاه لا يوجد التركيب ، فلا يتحصّل نوع جديد يحمل في ذاته خواصَّ وآثارا مائزة لها عن غيرها ، وهذا هو البرهان لحقيقة التركيب بينهما .
وبالجملة ( قد عرفت أنّ الأنواع التي لها كمال بالقوّة ) كالأنواع المادّيّة ( لا تخلو في جوهر ذاتها من جوهر يقبل فعليّة كمالاتها الأُولى والثانية من الصور والأعراض )