نعم يعطي مضمون كلامه أنّ الطبائع لاعلّة غائيّة فيها - في الجملة - بل بالدقّة والتعمّق لا يعطي ذلك أيضاً بكامل معناه فإنّه كان يعتقد بأنّ المبدأ للأشياء والتكوّنات هو الحبّ والكُره ، وأنّهمايتأدّيان بالتناوب إلى الانفصال والاتّحاد بين العناصر الأربعة الأساسيّة - : النار ، والهواء ، والماء ، والتراب - وفق أدوار محتومة . إلى آخر ما ذكر في عمدة آثاره الباقيّة وهي قصيدة موسومة ب « في الطبيعة » فإنّ في أقواله اعترافاً بالمبدأ وبالغاية في الجملة .
أضف إلى ذلك أنّه فيلسوف مرميّ متّهم لم يبق منه أثر مخلّد أو مدرسة علميّة سيّارة . وعابه الفلاسفة المعروفون . فهذا هيجل الآلماني يقول عنه : هو شاعر أكثر منه فيلسوفاً . وقال عنه نيتشة : طبيب أو ساحر شاعر أو خطيب . رجل دولة أو كاهن . هو سابح بين الاثنين . وعبّر عنه بورنيه بأنّه كان دجّالًا . وكتب عنه روبان ما نصّه : مذهب أنباذقلس تركيب متردّد ومبهم ، تطفح منه هنا وهناك نظرات تفصيليّة مثيرة ولكن لاتهيمن عليه أيّ وجهة نظر عُليا . وكان أكثر تأجّجاً بالعاطفة من أن يكون منهجيّاً . « 1 » إلى غير ذلك ممّا قالوا في شأنه .
( و ) مهما كان من أمر فإنّه ( قد احتجّ على ذلك بعدّة حجج ) ذكر المصنّف أهمّها ثمّ عارضها :
( الحجّة الأُولى ) للقائلين بالاتّفاق ونفي الغاية هي ( أنّ الطبيعة لارويّة ) أي أُسلوب وطريقة ( لها فكيف تفعل فعلها لأجل غاية ) إذ الغاية فرع الدقّة والتروّي والتأمّل اللازم فيالفعل .
( وأُجيب عنها بأنّ الرويّة لا تجعل الفعل ذا غاية ) كي يكون نفيها نفياً للغاية ( وإنّما تميّز الفعل من غيره وتعيّنه ، ثمّ الغاية تترتّب على الفعل لذاتها لابجعل جاعل
هامش
( 1 ) . معجم الفلاسفة ، ص 89