الفصل الثالث عشر : في نفي الاتّفاق وهو انتفاء الرابطة بين الفاعل والغاية
لمّا بيّن في الفصل المسبق وجود الغاية في جميع الأفعال ونفي الجزاف عن أفعال ربما يوهم ظاهرتها ذلك ، أراد في هذا الفصل الإيعاز إلى ما قديكون تسلّمه إنكاراً للغاية وهو الاتّفاق ، وقد يعبّرون عنه بالصدفة أو المصادفة ، وقد يطلقون عليه البخت وأمثاله ممّا يعطي المضمون والمفهوم . وقد اختلف في المراد من الاتّفاق - أو كلّ كلمة بمضمونه - إذ قد يراد منه نفي العلّة الفاعليّة . مثلًا لوتفوّه الطبيعي به كان مراده أن لا فاعل للكون كعلّة بل وجد العالم وصار بنفسه باتّفاق . والظاهر أنّ منهم ذيمقراطيس الفيلسوف الإغريقي وسيأتي رأيه والكلام حوله .
وقد يراد منه نفي العلّة الغائيّة ، كما ربما يعبّرون عنه بأنّ العالم أعمى وعبث يتحرّك بلاهدف وشاخص ومرمى . وربما يعنون منه عدم الضرورة والوجوب ، ومرادهم أن ليس هذا العالم صادراً عن ضرورة وتحتّم لايتخلّف ولا يختلف عمّا كان . ويكون هذا الرأي كمعارض للّذي يرى ضرورة كون الوجود كما هو كذلك فعلًا ، وأنّه لا يزاد ولاينتقص ولا يتغيّر ، وأنّه أحسن العوالم الممكنة . كما قد يراد منه في بعض الأشعار والقصص المشبّهة بالأساطير شيئاً خاصّاً كما يسمع حتّى في مثل عصرنا من قولهم : إنّ البخت ناصر فلاناً وأذلّ وأشقى فلاناً . ومنهم من عبّر بالشانس ومثله ، ومراد هؤلاء شبيه بوجه لرأي الدهريّة في غابر العصور ، وليسوا منهم .
ثمّ إنّ المنفيّ من الاتّفاق جميع هذه المعاني إذ كلّها مشاركة ومتّفقة في المحذور