المغايرة بين المتوقّف ) أي الفاعليّة ( والمتوقّف عليه ) العلّة الغائيّة . فهذا الكلام ليس بمناقض مع ( قولنا ) الأخير ( إنّ غاية الذات الواجبة هي عين الذات المتعالية ) وذلك إذ المناقضة إنّما تقع فيما لوأخذنا التوقّف بمعنى العلّيّة ، وكذلك الاقتضاء لوأخذناه بمعناها أعني العلّيّة ، لكنّه ليس المراد ذلك .
( فالمراد بالتوقّف والاقتضاء في هذا المقام ) عند البحث عن دور العلّة الغائيّة مع الفعل وربطهما ( المعنى الأعمّ الذي هو عدم الانفكاك ) لا الأخصّ بمعنى العلّيّة وما إليها ( فهو ) أي التعبير في المقام وأمثاله بالاقتضاء ( كما أشار إليه صدر المتألّهين من المسامحات الكلاميّة التي ) يتفوّه بها القائل لكن ليس ذلك إلّالأنّه ( يعتمد فيها على فهم المتدرّب في العلوم ) فإنّ الذي يمارس الفلسفة العالية سيّما دقائق بحوث العلّة وما إليها متدرّب ومتعوّد لكلمات الكتبة وعرفهم ، فقد يستعملون ما لا يعنون ظاهرته تعويلًا على الأفهام العالية المتمرّنة بالعلم والحكمة ( كقولهم في تفسير الواجب بالذات : إنّه الأمر الذي يقتضي لذاته الوجود و ) مثل قولهم في الشأن نفسه ( إنّه موجود واجب لذاته الظاهر ) كلامهم هذا عند غير المتمرّن ( في كون الذات علّة لوجوده ووجوده عينه ) والحال أنّ المراد عدم انفكاك الوجود عن ذاته .
( وبالجملة ، فعلمه تعالى في ذاته بنظام الخير غاية لفاعليّته التي هي عين الذات بل الإمعان ) والمداقّة ( في البحث ) واللفت اللائق لشأنه ( يعطي أنّه تعالى غاية الغايات ) وهذا نتاج كافّة البراهين والأُصول الحكميّة الإلهيّة .
قال صدر المتألّهين :
إنّ المبدأ الأوّل غاية الأشياء بالمعنى المذكور - أي علمه بنظام الخير الذي هو عين ذاته - ، فهو غاية بمعنى أنّ جميع الأشياء طالبة لكمالاتها ، ومتشبّهة به في تحصيل ذلك الكمال بحسب ما يتصوّر في حقّها . « 1 »
هامش
( 1 ) . الأسفار الأربعة ، ج 2 ، ص 273