لافرق فيه من ناحيّة الترتّب ( فسواء ترتّب ترتيباً متناهياً أو غير متناه ) وهو المسمّى بالتّسلسل ( فإنّه إن ترتّب كثرة متناهية ) متوقّفة ( كانت جملة ) أي مجموعة ( عدد ما بين الطرفين كواسطة واحدة تشترك في خاصّيّة الواحدة ) أي كأنّها فاردة لها أثر خاصّ ( بالقياس إلى الطرفين فيكون لكلّ من الطرفين خاصّيّة ) تخصّه وقد ذكرت قبل هذا .
( وكذلك إن ترتّب ) الوسط ( في كثرة غير متناهية فلم يحصل الطرف ) الآخر ( كان ) من الطبيعي ( جميع الغير المتناهي في ) حكم و ( خاصّة الواسطة ) وذلك ( لأنّك أي جملة أخذت ) من السلسلة ( كانت علّة لوجود المعلول الأخير وكانت ) في نفس الوقت ( معلولة ) لما فوقه كما مرّ ذكره ( إذ كلّ واحد منها ) أي السلسلة ( معلول والجملة متعلّقة الوجود بها ) أي بجملة المعاليل ( ومتعلّقة الوجود بالمعلول معلول إلّاأنّ ) المفروض أنّ ( تلك الجملة ) من المعاليل ( شرط في وجود المعلول الأخير وعلّة له وكلّما زدت ) المعاليل ( في الحصر ) والعدّ ( والأخذ كان الحكم إلى غير النهاية باقياً ) فلايفترق بينها وبين عدم النهاية كما سمعت ؛ لأنّ حكم الأمثال واحد .
وعليه ( فليس يجوز أن تكون جملة علل موجودة وليس فيها علّة ) تكون هي ( غير معلولة وعلّة أُولى ) كما يزعمه أصحاب التسلسل ، وذلك ( فإنّ ) حكم ( جميع غير المتناهي كواسطة ) واحدة أو أكثر ( بلا طرف ) يكون لها ( وهذا محال ) لأنّ الواسطة بدونه خلف ومحال تحقّقه ، وقد أسلفنا صدر البرهان أنّه يعمّ كافّة العلل ، فإنّ ابن سينا بنفسه قال به بعد أن صارح أوّلًا باختصاص البرهان للعلل الفاعليّة من حيث التناهي فذكر ما نصّه : « وهذا البيان يصلح أن يجعل بياناً لتناهي جميع طبقات أصناف العلل ، وإن كان استعمالنا له في العلل الفاعليّة ، بل قد علمت أنّ كلّ ذي ترتيب في الطبع فإنّه متناه ، وذلك في الطبيعيات » « 1 » .
هامش
( 1 ) . الفصل الأوّل ، المقالة الثامنة ، إلهيّات الشفاء