ثمّ إنّ الشروط الثلاثة اللازمة في التسلسل غير مجتمعة في هذا البرهان فإنّ الشرط الثاني - وهو كون الأجزاء مجتمعة في الوجود - لا يوجد فيه .
وأمّا البرهان الثالث : فذكره كمايلي : ( برهان آخر وهو المعروف بالأسدّ الأخصر للفارابي ) أبي نصر المعروف بالمعلّم الثاني . أمّا كونه أسدّ فلمتانته وأحكام مبانيه ومبادئه ، وأمّا كونه أخصر فالظاهر كونه إيعازاً إلى أنّه خلاصة البرهان الموعز إليه وهو الطرف والوسط وهذا لا يعني أنّ الفارابي لخّصه ؛ إذ هو متقدّم زماناً من ابن سينا الذي أقامه وأبدعه - على ما قيل - لو لم يأخذه من أرسطو أو مدرسته . والمدقّق له يرى بجلاء أنّ أُسسه وجهة إنتاجه وأُسلوبه لا يعدو الطرف والوسط إلّابالإيجاز .
ومهما كان الأمر فالبرهان مركّب من مقدّمتين : إحداهما : قوله : ( إنّه إذا كان مامن واحد من آحاد السلسلة الذاهبة بالترتيب بالفعل لا إلى نهاية إلّاو هو كالواحد في أنّه ليس يوجد إلّاو يوجد آخر وراءه من قبل ) هذا هو المقدّمة الأُولى .
وأمّا الثانية ، فهي ما يلي : ( كانت الآحاد اللّامتناهية بأسرها يصدق عليها أنّها لا تدخل في الوجود مالم يكن شيء من ورائها موجوداً من قبل ) فهذا هو المقدّمة الثانية . ثمّ أشار إلى النتيجة بقوله :
( فإذن بداهة العقل ) والفطرة السليمة ( قاضية بأنّه من أين يوجد في تلك السلسلة شيء حتّى يوجد شيء ما بعده ) وهذا البرهان كما يلوح منه مجمع الشرائط الثلاثة فيكون تامّاً - سيّما عند القائلين بضرورة هذه الشروط في براهين إبطال التسلسل - والظاهر عدم عموميّته لغير العلل ، وإن جوّز ذلك فلايعدو المعدّات ، وعليه فلا يكون الاجتماع في الزمان معتبراً كشرط . وإن كان الأجود عدم التعميم . فدقّق ( وهناك ) في المبسوطات الكلاميّة والفلسفيّة ( حجج أُخرى أُقيمت على استحالة التسلسل لا يخلو أكثرها من مناقشة ) وبما أنّ الكلاميّين يتمسّكون باستحالته أكثر من الحكماء وأرباب العلوم فإنّهم بسطوا الكلام فيه عرضاً ونقاشاً وتطبيقاً .
شرح نهاية الحكمة — صفحة 415
مساهمون: علي علمي الاردبيلي
ص٤١٥