مرجّحة فلا صلاحيّة لها لذلك بنفسها ؛ إذ ليس الإرادة إلّاالشيء المراد شأن كلّ إضافة ومضاف إليه ، وهو أي المضاف إليه له تقدّم عليها ، فكيف تكون مرجّحة له ؟ ( وقد تقدّمت الحجّة أنّ الممكن المتساوي الجانبين يحتاج في ترجّح أحد الجانبين إلى مرجّح ) وإلّايوجد وهو من البديهيّات أو قريبها .
( فإن قيل : إنّ المرجّح هو الفاعل مثلًا بإرادته كما مرّ في مثال الهارب من السبع ) إذا ظهر له طريقان أو أكثر .
و ( أُجيب بأنّ مرجعه إلى القول الآتي ) وهو قوله : وأمّا قول القائل : إنّ الإرادة مرجّحة ( وسيأتي بطلانه . وأمّا مثال الهارب من السبع فممنوع ) ليعلم أنّ مسألة الترجيح بلا مرجّح أو الترجّح بدونه من المسائل التي تشغل فراغاً في الحكمة الإلهيّة والفلسفة العامّة من غابر تاريخها وأصل توجّدها من المتكلّمين ، ولعلّ متكلّمي المسيحيّين مارسوا المسألة بأكثر وأشدّ سيّما في القرون الوسطى أمثال توما الأكويني وآنسلم وأبيلارد وغيرهم . واليوم أصبحت مهزلة عندهم كأكثر القواعد الفلسفيّة لمّا كانت فترة طويلة تقارب ألف عام تحت سلطان آباء الكنيسة .
وبالجملة ، هم نظير أشاعرة المسلمين لايرتضون بضرورة الترجيح لكنّهم لم يلفتوا إلى صميم البحث - ومرادي الفلاسفة الغربيّة المسيحيّة وغيرهم والأشاعرة ومن يتقبّله من العدليّة - فإنّ بعض الأمثلة العامّيّة أو السخريّات الاجتماعيّة لا تكون برهنة فلسفيّة للاقتناع فإنّ مرادنا أنّ من المحال تحقّق معلول بدون علّته التامّة فلو قالوا باستحالة الترجيح بلا مرجّح فإنّهم يعنون استحالة صدور فعل من فاعل بلاكمال عليّته . وذلك إذ أسلفنا أنّ الفاعل بنفسه علّة ناقصة فاللازم ضمّ ما يكتمل ويتمّ به العلّيّة .
فالبحث بعدئذٍ يكون صغرويّاً وهو أنّه بعد أن علمنا متمّميّة الإرادة للعلّيّة فهل يكفي في تعلّقها بأحد فعلين سويّين - على الفرض - أن يكون كلّ منهما محقّقاً لهدف
شرح نهاية الحكمة — صفحة 396
مساهمون: علي علمي الاردبيلي
ص٣٩٦