الفصل الخامس : في الغيريّة وأقسامها
لمّا فرغ من بحث الوحدة وما يتّصل إليها توضيحاً وتحليلًا وتقسيماً بدأ لبيان مقابلها الذي هو الغيريّة فهي أيضاً هامّة من ناحية ما ينشأ منها من الخواصّ والأحكام والأقسام بل هذه من بعض النواحي أهمّ وأفيد في الفلسفة والعلوم إطلاقيّاً . ومن ذلك أنّ الغيريّة أساس التقابل وهو بأقسامه يشكّل في العلوم النظريّة أهمّ المباني البرهانيّة كمحاليّة اجتماع النقيضين وارتفاعهما واجتماع الضدّين وغيرهما من الأقسام . وهذا أيضاً مبتن على معرفة معنى التناقض والتضادّ والشروط المعتبرة فيها ومايماثلهما . وليس بخاف على صحيب الفضل دور هذه البحوث كجذور العلوم النظريّة البرهانيّة .
ويبقى الكلام في أنّه هل البحث عن التقابل وما يتّصل به بحث منطقي أو فلسفي ؟
والذي يعطيه منهج الفلاسفة القدّامي من أرسطو ومدرسته كون البحث منطقيّاً حيث دوّنه في كتابه قاطيغورياس أو المقولات . بعد ممارسته للمقولات . وابن سينا وبعض تبعة أرسطو أيضاً حذوا حذوه . لكن صدر المتألّهين ومدرسته دوّنوه كبحث فلسفي ومن متفرّعات الغيريّة . والحقّ أنّه بحث منطقي فالمنطق حقله ومجاله ، كما فعله القدّامي . نعم ، دوره في الفلسفة جذري هامّ وهذا كلام آخر معلوم .
ومهما كان الأمر فإنّه ( قد تقدّم ) في الفصل الثالث ( أنّ من عوارض الكثرة الغيريّة ) كما أنّ من عوارض الوحدة الهوهويّة كما قرأناها ( وتنقسم الغيريّة إلى ذاتيّة وغير ذاتيّة فالغيريّة الذاتيّة هي أن يدفع أحد ) من ( شيئين ) الشيء ( الآخر بذاته