( ووسط الاعتدال من هذه الملكات ) الثلاث المذكورة ( التي هي الأُصول وما يتفرّع عليها ) أي على أُصول الخلقيّات ( من الفروع ) يسمّى ( فضيلة ممدوحة والطرفان ، أعني طرفي الإفراط والتفريط رذيلة مذمومة ) فإنّ الظلم والانظلام متّحدان ، وليس الثاني بأولى من الأوّل أو أقلّ رزالة لتقابلهما في التوسّط وهو العدل .
لكن كلّ الكلام في أنّه هل الفضيلة هي التوسّط المذكور ؟ فأوّل من مارس وركّز الأخلاق عليه - حدّ علمي - هو أرسطو وبسط المقال فيه في كتابه الممتّع « الأخلاق إلى نيقوماخس » ومن الفلاسفة الإسلاميّين من أفرط في هذا القول كابن مسكويه ومفسّريه ومنهم من لم يهتمّ به كابن سينا ومدرسته فإنّه يرى الفضيلة هي تسلّط القوّة العقليّة على القوى الحيوانيّة ، والرزيلة انقيادها إلى تلك القوى . « 1 » وهذا ما ذهب إليه في أكثر كتبه كالشفاء والنجاة والمباحث المشرقيّة وغيرها . وكذا عمدة تلامذته . وقد بسط ابن مسكويه الكلام أوّلًا حول أصل وسطيّة الفضائل ، ثمّ التطبيق والمقارنة بالنسبة لرؤوس الفضائل وكذا إمكان ذلك والتحديد للطرفين وكثرتهما . « 2 »
( والبحث عن هذه الفضائل والرزائل موكول إلى غير هذه الصناعة ) وهو علم الأخلاق ثمّ العلوم التربويّة وعلوم النفس بأقسامها وما ذكره رحمه الله هو الأُصول والبواعث دون المعاليل . هذا .
( وقد ظهر مما تقدّم ) أُمور أهمّها اثنان :
( أوّلًا : أنّ الخلق إنّما يوجد في العالم الإنساني وغيره من ذوات الأنفس التي تستكمل بالأفعال الإراديّة على ما يناسب كمال وجوده ) فيتفاوت بالنسبة إلى الإنسان وسائر الحيوانات وتختلف هي أيضاً فيه فكلّ نوع من الحيوان له شأن في الكمال
هامش
( 1 ) . طبيعيّات الشفاء ، ص 291
( 2 ) . راجع : تهذيب الأخلاق ، ص 40