بذوات الأنفس ) كعالميّة الإنسان ( وأمّا المفارقات ) عن المادّة ( فقد تقدّم ) كراراً ( أنّ علومها حضوريّة غير حصوليّة ) لمكان فقد المادّة والتجسّد ( غير أنّ العلوم الحصوليّة التي في معاليلها حاضرة عندها ) أي عند عللها المجرّدة ( وإن كانت هي ) أي معاليلها ( أيضاً بما أنّها من صنعها ) أي المفارقات إذاً فهي ( حاضرة عندها ) إذ لا يشترط في العلّيّة المباشرة بل هي كذلك ولو بوسائط .
( ومن هذا الباب ) أي الكيفيّات النفسانيّة ( الخلق وهو الملكة النفسانيّة ) غير جسمانيّة ( التي تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير رويّة ) إذ الملكة لاتجامع مع التروّي والتفكّر ، أو الصدور الجبري ، أو التصنّعات ( ولا يسمّى ) ملكة ( خلقاً إلا إذا كان عقلًا عمليّاً ) لأنّ الخلقيّات تتّصل بالعقل العملي ، أوفقل : الحكمة العمليّة أي التي تصدر نتائجها في العمل خارجاً ، فالفرق بين النظريّة والعمليّة أنّ الأُولى - كما بيّنه الفارابي - هي التي بها يحوز الإنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان ، والعمليّة هي التي يعرف بها ما شأنه أن يعمله إنسان . وبيّنهما ابنسينا بقوله :
إنّ للإنسان تصرّفاً في أُمور جزئيّة وتصرّفاً في أُمور كلّيّة . والأُمور الكلّيّة إنّما يكون فيها اعتقاد فقط ولو كان أيضاً في عمل - إلى قوله - : فيكون للإنسان إذن قوّة تختصّ بالأُمور الكلّيّة وقوّة أُخرى تختصّ بالرّويّة في الأُمور الجزئيّة في ما ينبغي أن يفعل أو يترك ممّا ينفع ويضرّ ، وفيما هو جميل وقبيح ، وخير وشرّ ، ويكون ذلك بضرب من القياس والتأمّل . . . فالقوّة الأُولى للنفس الإنسانيّة قوّة تنسب إلى النظر ، فيقال : « عقل نظري » وهذه الثانية قوّة تنسب إلى العمل ، فيقال : عقل عملي « 1 » .
وقال في رسالة النفس :
والنفس الناطقة إذا أقبلت إلى العلوم سمّي فعلها عقلًا ، وسمّيت بحسبه عقلًا نظريّاً . وإذا
هامش
( 1 ) . طبيعيّات الشفاء ، ص 347