الفصل الخامس : في ماهيّة المادّة وإثبات وجودها
يعالج هذا الفصل موضوعاً من مهمّات الفلسفة القديمة والحديثة الطبيعيّة والإلآهيّة - حسب مصطلحهم - وأصل الأشياء ، الذي لذلك سمّي بالمادّة . فإذا ظهر شيء يبدو لكلّ حاسّ كإنسان أو غيره ممّا يشاهده من المواد فيرى تبدّلها للأُخرى ، ويكون لكلّ من المتبدّل المتجدّد خاصّاً وآثار غير ما كان للأوّل ، فكلّ متبدّل مقيساً إلى المتبدّل إليه يكون مادّة - وكان اليونانيّون يوسمونها بالهيولى - وهكذا هذا المتبدّل منه بالنسبة لما تبدّل منه فالأوّل مادّته ، وكذلك الحال إلى أن ينتهي إلى مادّة أُولى ، أي غير متبدّل من أُخرى يسمّونها الهيولى الأولى أو المادّة الأُولى ومادّة الموادّ . وربما يوسمونها غير ذلك والهدف فارد معلوم .
ثمّ إنّ الإنسان يلاحظ أنّ بين الأوّل والثاني مشتركاً ؛ إذ لولاه يكون التبدّل تعويضاً للوجود ثباتاً ، وهذا معلوم الفساد ، فلا مناص من القول بأنّ المتبدّل يفتقد جزءاً ، ويحصل على جزء كتبدّل الماء بخاراً أو العكس . وبعد استبانة ذلك يقع البحث في أنّ هذا المشترك بينهما هل هو موجود بالفعل في كلا الجزءين : الأوّل والثاني ، أو لايتحقّق فعليّة للثاني إلّابتبدّل الأوّل . فالقول الأوّل ما ينسب إلى أفلاطون والرواقيّين والسهروردي ، ومن المتكلّمين الخواجة الطوسي وأبو البركات البغدادي في المعتبر . « 1 »
هامش
( 1 ) . المعتبر ، ج 3 ، ص 195