منها 15 من غير ارتباط بالخارج ، استوت نسبة الصورة المدركة إلى مصداقها وغيره ؛ فكان من الواجب أن تصدق على كلّ شيء ، أو لا تصدق على شيء أصلا ، والحال أنّها تصدق على مصداقها دون غيره ، هذا خلف .
فإن قلت : انتهاء أكثر العلوم الحصوليّة إلى الحسّ لا ريب فيه 16 ، لكن ما كلّ علم حصوليّ حاصلا بواسطة الحسّ الظاهر ، كالحبّ والبغض ، والإرادة والكراهة ، وغيرها ، المدركة بالحواسّ الباطنة 17 ؛ فصورها الذهنيّة مدركة لا بالاتّصال بالخارج .
شرح
- فصورة البناء التي يتصوّرها البنّاء قبل البناء ويبني البناء مطابقا لها ، قد تكون صورة بديعة لم يسبق لها مثال ، وهي مع ذلك تحكي مصداقها ولا تقبل الانطباق على غيره .
15 - قوله قدّس سرّه : « بإنشاء منها »
أي : بإنشاء من القوّة المدركة .
وكان الأولى أن يقول : بإنشاء منها أو من مفيض آخر من دون أيّ تأثير من المصداق الخارجيّ في حصول الصورة .
16 - قوله قدّس سرّه : « فإن قلت : انتهاء أكثر العلوم الحصوليّة إلى الحسّ لا ريب فيه »
لا يخفى عليك : أن منشأ هذا الاعتراض عدم الالتفات إلى مراد المصنّف قدّس سرّه ؛ فإنّ مدّعى المصنّف قدّس سرّه إنّما هو توقّف أخذ المفهوم على نوع من الاتّصال بالمصداق ، ولكن توهّم المعترض أنّ مدّعاه انتهاء جميع العلوم إلى الحواسّ الظاهرة ، فاعترض عليه ، بينما المصنّف قدّس سرّه قد أنكر في أوّل المقالة الخامسة من أصول فلسفة عموم هذا الحكم ، وخصّه بالعلوم الحصوليّة التي لها نوع من الانطباق على المحسوسات .
17 - قوله قدّس سرّه : « المدركة بالحواسّ الباطنة »
الحواسّ الباطنة خمس ، على ما هو المشهور بينهم :
الأولى : الحسّ المشترك ، ويسمّى بنطاسيا . وهو يقبل ويدرك جميع الصور المنطبعة في الحواسّ الخمس ، فهو كحوض ينصبّ فيه الماء من أنهار خمسة .
الثانية : الخيال ، ويسمّى المصوّرة ، وهو يحفظ ما قبله الحسّ المشترك من الحواسّ .