فالأوّل ، وهو حصول الكثرة طولا ، أن يوجد عقل ثمّ عقل وهكذا ؛ وكلّما وجد عقل زادت جهة أو جهات ، حتّى ينتهي إلى عقل تتحقّق به جهات من الكثرة تفي 19 بصدور النشأة التي بعد نشأة العقل . فهناك أنواع متباينة من العقول ، كلّ منها منحصر في فرد ؛ وهي مترتّبة نزولا ، كلّ عال أشدّ وأشرف ممّا هو بعده ، وعلّة فاعلة تامّة الفاعليّة له ؛ لما أنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره 20 . وآخر هذه العقول علّة فاعلة للنشأة التي بعد نشأة العقل . وهذا الوجه هو الذي يميل إليه المشّاؤون 21
شرح
- اسم الإشارة يشير إلى مشار إليه مذكور حكما ، لا لفظا ولا معنى . حيث إنّه بعد ما أثبت في الفقرة السابقة امتناع الكثرة الأفراديّة في المفارق ، فهم منه أنّ الكثرة المتصوّرة فيه إنّما هي الكثرة النوعيّة . فالمشار إليه هي الكثرة النوعيّة .
يدلّ على ذلك قوله في الفصل العاشر من المرحلة الثانية عشرة من بداية الحكمة في هذا المقام :
« ثمّ إنّه ، لمّا استحالت الكثرة الأفراديّة في العقل المفارق ، فلو كانت فيه كثرة ، فهي الكثرة النوعيّة ، بأن توجد منه أنواع متباينة ، كلّ نوع منها منحصر في فرد . ويتصوّر ذلك على أحد وجهين : إمّا طولا ، وإمّا عرضا . والكثرة طولا : أن يوجد هناك عقل ثمّ عقل إلى عدد معيّن ، كلّ سابق منها علّة فاعلة للاحقه مباين له نوعا . والكثرة عرضا : أن توجد هناك أنواع كثيرة متباينة ، ليس بعضها علّة لبعض ولا معلولا ، وهي جميعا معلولات عقل واحد فوقها . » انتهى .
قوله قدّس سرّه : « على أحد وجهين ، إمّا طولا وإمّا عرضا »
على سبيل منع الخلوّ .
19 - قوله قدّس سرّه : « تفي »
هذا هو الصحيح ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « يفي » .
20 - قوله قدّس سرّه : « لما أنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره »
تعليل لكون الفاعل علّة تامّة .
21 - قوله قدّس سرّه : « هذا الوجه هو الذي يميل إليه المشّاؤون » -