وذهب جمع من المتكلّمين ، وهم المعتزلة ومن تبعهم ، إلى أنّ الأفعال الاختياريّة مخلوقة للإنسان ، ليس للواجب تعالى فيها شأن ؛ بل الذي له ، أن يقدر الإنسان على الفعل 11 ، بأن يخلق له الأسباب التي يقدر بها على الفعل ، كالقوى والجوارح التي يتوصّل بها إلى الفعل باختياره الذي يصحّح له الفعل والترك . فله أن يترك الفعل ولو أراده الواجب ، وأن يأتي بالفعل ولو كرهه الواجب ؛ ولا صنع للواجب في فعله .
على أنّ الفعل لو كان مخلوقا للواجب تعالى 12 كان هو الفاعل له ، دون الإنسان ؛ فلم يكن معنى لتكليفه بالأمر والنهي ، ولا للوعد والوعيد ، ولا لاستحقاق الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ولا فعل ولا ترك للإنسان 13 .
شرح
- أنّ المعدّ ليس في رتبة الفاعل ، بل دونه في المرتبة - فلا تدافع بينهما مع كونهما قريبين ، وإنّما يحصل التدافع لو كان كلاهما فاعلا مفيضا .
والطوليّة في الطريق الأوّل - بعد كون الإنسان فيه مفيضا كالواجب تعالى - من جهة أنّ الإنسان فاعل مفيض قريب واللّه تعالى فاعل مفيض بعيد .
11 - قوله قدّس سرّه : « يقدر الإنسان على الفعل »
قال في المعجم الوسيط : « أقدره اللّه تعالى على الأمر : قوّاه عليه » .
12 - قوله قدّس سرّه : « على أنّ الفعل لو كان مخلوقا للواجب تعالى »
يظهر من تعبيره ب « على » وكذا من ما سيأتي ، من قوله : « وأمّا تعلّق الإرادة الواجبيّة بالفعل إلى آخره » أنّ في الفقرة السابقة استدلالا من المعتزلة على ما ذهبوا إليه ، وهو تمسّكهم باختيار الإنسان ، وأنّه لا يجامع إرادة الواجب تعالى ، وإن لم تكن تلك الفقرة ظاهرة في كونها بيانا للاستدلال . قال في الفصل السادس من المرحلة الثانية عشرة من بداية الحكمة عند نقل كلامهم :
« أفعال الإنسان الاختياريّة مخلوقة لنفس الإنسان ، لأنّها منوطة باختياره ، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، ولو كانت مخلوقة للّه سبحانه مقدورة له ، كان الإنسان مجبرا على الفعل لا مختارا فيه .
فأفعال الإنسان الاختياريّة خارجة عن تعلّق القدرة . » انتهى .
13 - قوله قدّس سرّه : « ولا فعل ولا ترك للإنسان »
الواو حاليّة .