الذي حقّقته الأصول الماضية ، هو أنّ الأصيل من كلّ شيء وجوده ؛ وأنّ الموجود ينقسم إلى واجب بالذات وغيره ؛ وأنّ ما سوى الواجب بالذات - سواء كان جوهرا أو عرضا ، وبعبارة أخرى ؛ سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا - له ماهيّة ممكنة بالذات متساوية النسبة إلى الوجود والعدم ؛ وأنّ ما شأنه ذلك يحتاج في تلبّسه بأحد الطرفين من الوجود والعدم إلى مرجّح يعيّن ذلك ويوجبه ، وهو العلّة الموجبة . فما من موجود ممكن إلّا وهو محتاج في وجوده حدوثا وبقاء إلى علّة توجب وجوده وتوجده ، واجبة بالذات ، أو منتهية إلى الواجب بالذات ؛ وعلّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء .
فما من شيء ممكن موجود سوى الواجب بالذات 3 ، حتّى الأفعال الاختياريّة ، إلّا وهو فعل الواجب بالذات ، معلول له بلا واسطة ، أو بواسطة ، أو وسائط .
ومن طريق آخر 4 ؛ قد تبيّن في مباحث العلّة والمعلول 5 : أنّ وجود المعلول بالنسبة إلى العلّة وجود رابط ، غير مستقلّ ، متقوّم بوجود العلّة ؛ فالوجودات الإمكانية - كائنة ما كانت - روابط بالنسبة إلى وجود الواجب بالذات ، غير مستقلّة عنه ، محاطة له ، بمعنى ما ليس بخارج 6 . فما في الوجود إلّا ذات واحدة مستقلّة ، به
شرح
3 - قوله قدّس سرّه : « فما من شيء ممكن موجود سوى الواجب بالذات »
قوله : « سوى » صفة لما قبله ، لا استثناء عنه . كما لا يخفى .
4 - قوله قدّس سرّه : « ومن طريق آخر »
قد مرّ هذا البرهان والبرهان السابق في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة . وقد تعرّضنا في بعض تعاليقنا هناك لوجوه الفرق بين البرهانين . فراجع .
5 - قوله قدّس سرّه : « قد تبيّن في مباحث العلّة والمعلول » .
الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة .
6 - قوله قدّس سرّه : « محاطة له بمعنى ما ليس بخارج » -