واحد مّا 26 بحسب نشآته المختلفة ماهيّات مختلفة ومراتب متفاوتة ؛ كالعلم ، فإنّ علمنا إذا تعلّق بالخارج منّا 27 هو كيف نفسانيّ ؛ وإذا تعلّق بنفوسنا جوهر نفسانيّ ؛ وعلم العقل بذاته جوهر عقليّ ؛ وعلم الواجب بذاته واجب بالذات ؛ وعلم الممكن بذاته ممكن بالذات . فكون الإرادة التي فينا كيفا نفسانيّا ، لا يدفع كون إرادة الواجب لفعله هو علمه الذاتيّ .
ثم إنّ من المسلّم أنّ الفاعل المختار لا يفعل ما يفعل إلّا بإرادة ومشيئة 28 ، والواجب تعالى فاعل مختار ، فله إرادة لفعله ؛ لكنّ الإرادة التي فينا ، وهي الكيف النفسانيّ ، غير متحقّقة هناك ، وليس هناك إلّا العلم وما يلزمه من الاختيار ، فعلمه تعالى هو إرادته . فهو تعالى مريد بما أنّه عالم بعلمه الذي هو عين ذاته .
قلت : الذي نتسلّمه أنّ الفاعل المختار من الحيوان لا يفعل ما يفعل إلّا عن علم بمصلحة الفعل 29 وإرادة بمعنى الكيف النفسانيّ ؛ وأنّ الواجب تعالى لا يفعل ما يفعل
شرح
- لا يخفى عليك : أنّ لكلام المعترض مرحلتين . ففي المرحلة الأولى يثبت إمكان تحقّق الإرادة فيه تعالى بتجويز كونها من سنخ الوجود لا الماهيّة .
وفي المرحلة الثانية يثبت تحقّقها فيه تعالى ، من جهة أنّ الاختيار وهي القدرة متقوّمة بها .
26 - قوله قدّس سرّه : « من الجائز أن يكون لوجود واحد مّا »
أي : لحقيقة واحدة وسنخ واحد ، لالوجود واحد شخصيّ .
وحاصل مراد المعترض : أنّ الإرادة كالعلم نحو الوجود ، وليست من الماهيّات . فكما أنّ الوجود أو العلم قد يكون واجبا وقد يكون ممكنا ، والممكن قد يكون جوهرا وقد يكون عرضا ، فكذلك الإرادة .
27 - قوله قدّس سرّه : « فإنّ علمنا إذا تعلّق بالخارج منّا »
هكذا أثبتناه ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « الذي إذا تعلّق بالخارج منّا » .
28 - قوله قدّس سرّه : « بإرادة ومشيئة »
يلوح منه أنّ الإرادة والمشيئة مترادفتان .
29 - قوله قدّس سرّه : « لا يفعل ما يفعل إلّا عن علم بمصلحة الفعل » -