لا توجد قبله ولا تبقى بعده ؛ فاتّصاف الواجب تعالى بها مستلزم لتغيّر الموصوف ، وهو محال .
فتحصّل أنّ القدرة المجرّدة عن النواقص والأعدام ، هي كون الشيء مبدءا فاعليّا للفعل عن علم بكونه خيرا واختيار في ترجيحه ؛ والواجب تعالى مبدء فاعليّ لكلّ موجود بذاته 18 ، له علم بالنظام الأصلح في الأشياء بذاته ، وهو مختار في فعله بذاته ، إذ لا مؤثّر غيره يؤثّر فيه 19 ؛ فهو تعالى قادر بذاته . وما أوردناه من البيان يجري في العقول المجرّدة أيضا .
فإن قلت : ما سلكتموه من الطريق لإثبات القدرة للواجب تعالى خلو عن إثبات الإرادة ، بما هي إرادة ، له 20 ، والذي ذكروه في تعريف القدرة ، من أنّها 21 كون الشيء بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، يتضمّن إثبات الإرادة صفة ذاتيّة للواجب 22 مقوّمة للقدرة ، غير أنّهم فسّروا الإرادة الواجبيّة بأنّها علم بالنظام
شرح
18 - قوله قدّس سرّه : « الواجب تعالى مبدء فاعليّ لكلّ موجود بذاته »
شروع في البرهان الثاني لإثبات قدرته تعالى .
19 - قوله قدّس سرّه : « هو مختار في فعله بذاته ، إذ لا مؤثّر غيره يوثّر فيه »
كان الأولى التعليل بما مرّ منه قبل صفحة ، من أنّ الفاعل العالم بكون الفعل كمالا وخيرا ينبعث إليه بنفسه ، لا بإيجاب مقتض غيره ؛ فإنّه عند ذاك يتّم قوله : وما أوردناه من البيان يجري في العقول المجّردة أيضا .
وأمّا هذا البيان فقد يناقش فيه بأنّ العقول المجرّدة لا يصدق في حقّها ، أنّه لا مؤثّر غيرها يؤثّر فيها .
20 - قوله قدّس سرّه : « خلو عن إثبات الإرادة بما هي إرادة له »
قوله « له » متعلّق بالإثبات .
21 - قوله قدّس سرّه : « من أنّها »
هكذا أثبتناه ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « بأنّها » .
22 - قوله قدّس سرّه : « يتضمّن إثبات الإرادة صفة ذاتيّة للواجب » . -