خير كلّ نوع هو الكمال المترتّب عليه ، والطبيعة النوعيّة هي المبدء المقتضي له 9 . وإذا فرض أنّه عالم بكونه خيرا له وكمالا يقتضيه ، انبعث الفاعل إليه بذاته 10 ، لا بإيجاب مقتض غيره وتحميله عليه ، فلا قدرة مع الإجبار 11 ، والقادر مختار ، بمعنى أنّ الفعل إنّما يتعيّن له 12 بتعيين منه ، لا بتعيين من غيره .
ثمّ إذا تمّ العلم بكون الفعل خيرا ، أعقب ذلك شوقا من الفاعل إلى الفعل ؛ فالخير محبوب مطلقا ، مشتاق إليه إذا فقد 13 . وهذا الشوق كيفيّة نفسانيّة غير العلم السابق
شرح
9 - قوله قدّس سرّه : « الطبيعة النوعيّة هي المبدء المقتضي له »
فإنّ الطبيعة النوعيّة ، وهي الصورة النوعيّة ، هي الكمال الأوّل ، وهي مبدء لجميع الكمالات الثانية التي لها من الأعراض اللاحقة لها . غاية الأمر أنّها إذا لم تكن واجدة للعلم والشعور كانت فاعلا لها موجبا ، وإذا كانت واجدة للعلم كانت فاعلا لها مختارا .
قوله قدّس سرّه : « المقتضي »
هذا هو الصحيح ، بخلاف ما في النسخ من قوله : « المتقضي »
10 - قوله قدّس سرّه : « انبعث الفاعل إليه بذاته »
وهذا هو الاختيار . فإنّ الاختيار عنده هو الانبعاث الحاصل من العلم بكون الفعل خيرا .
11 - قوله قدّس سرّه : « فلا قدرة مع الإجبار »
الفاء تحتمل السببيّة والتفريع .
12 - قوله قدّس سرّه : « القادر مختار ، بمعنى أنّ الفعل إنّما يتعيّن له »
تلويح إلى أنّ الاختيار ليس - كما فسّره جمهور المتكلّمين - بمعنى تساوى نسبة الفاعل إلى الفعل والترك حتّى ينافي وجوب المعلول بالعلّة التامّة وبالقياس إليه ، بل الاختيار إنّما هو بمعنى وجوب الفعل بإيجاب نفس الفاعل ، لا بإجبار من مجبر .
13 - قوله قدّس سرّه : « فالخير محبوب مطلقا ، مشتاق إليه إذا فقد »
أي : فإنّ الخير محبوب سواء كان موجودا أم مفقودا ، ويطلبه الإنسان إذا كان مفقودا . ففي كلامه إشعار إلى ما بين الحبّ والشوق من الفرق من جهة المتعلّق ، حيث إنّ الحبّ يتعلّق بالموجود والمفقود ، والشوق لا يتعلّق إلّا بالمفقود . هذا .
والشوق هو نزوع النفس إلى الشيء ، وهو من ثمرات الحبّ وآثاره .