بينهما الإمكان بالقياس ، من غير أن يكون بينهما علاقة ذاتيّة لزوميّة ؛ لأنّها لا تتحقّق بين الشيئين ، إلّا مع كون أحدهما علّة والآخر معلولا ، أو كونهما معلولين لعلّة ثالثة ، والمعلوليّة تنافي وجوب الوجود بالذات .
فإذن لكلّ واحد منهما حظّ من الوجود 16 ومرتبة من الكمال ليس للآخر . فذات كلّ منهما بذاته واجد لشيء من الوجود وفاقد لشيء منه ، وقد تقدّم 17 أنّه تركّب مستحيل على الواجب بالذات .
برهان آخر ، ذكره الفارابيّ في الفصوص 18 : « وجوب الوجود لا ينقسم 19 بالحمل
شرح
- الأوّل هو برهان الصرف . وبعبارة أخرى : الحدّ الوسط في هذا البرهان هو بساطة الواجب ، أي عدم تركّبه ، وفي البرهان الأوّل صرافته ، أي عدم اختلاطه بغيره ، فهما برهانان ، وليسا برهانا واحدا اختلف بيانه بالاستقامة والخلف ، حتّى يكون الفرق بينهما منطقيّا .
16 - قوله قدّس سرّه : « فإذن لكلّ واحد منهما حظّ من الوجود »
لا يخفى عليك : أنّ هذا إنّما يكون مبتنيا على عدم كون أحدهما معلولا للآخر ، موجودا فيه . ولا يحتاج إلى عدم كونهما معلولي علّة واحدة .
فكان الأولى أن يجعل المقدّمة الأولى قولنا : لو تعدّد الواجب بالذات لم يكن أحدهما معلولا للآخر موجودا فيه .
17 - قوله قدّس سرّه : « قد تقدّم »
في الفصل السابق .
18 - قوله قدّس سرّه : « في الفصوص »
فصوص الحكم للفارابي ، الفصّ السابع .
19 - قوله قدّس سرّه : « وجوب الوجود لا ينقسم »
أي : لا يصير مقسما للتقسيم المنطقيّ ، الذي هو تقسيم الكلّيّ إلى جزئيّاته . فتارة يقسّم الجنس بالفصول إلى الأنواع ، ويسّمى تنويعا . وأخرى يقسّم الجنس أو النوع بالخواصّ الّتي هي أخصّ إلى الأصناف ، ويسمّى تصنيفا . وتارة أخرى يقسّم الجنس أو النوع أو الصنف -