وكالعلل الكونيّة المسخّرة للواجب تعالى 22 .
وفي عدّ الفاعل بالجبر والفاعل بالعناية نوعين بحيالهما ، مباينين للفاعل بالقصد ، نظر . توضيحه : أنّا ننسب الأعمال المكتنفة بكلّ نوع من الأنواع المشهودة 23 - أعني كمالاتها الثانية - إلى نفس ذلك النوع ، فكلّ نوع علّة فاعليّة لكمالاته الثانية .
والأنواع في ذلك على قسمين : منها ما يصدر عنه أفعاله لطبعه ، من غير أن يتوسّط فيه العلم ، كالعناصر ؛ ومنها ما للعلم دخل في صدور أفعاله عنه ، كالإنسان .
والقسم الثاني مجهّز بالعلم ، ولا ريب أنّه إنّما جهّز به لتمييز ما هو كماله من
شرح
تفعل بتسخيرها . وهذا القول هو الّذي ذهب إليه جمهور الحكماء . وأمّا على الحقّ ، من كون النفس في وحدتها كلّ القوى ، فهي في مرتبة القوى الطبيعيّة تكون قوّة طبيعيّة ، وفي مرتبة القوى النباتيّة قوّة نباتيّة ، وهكذا ، فليس هناك إلّا فاعل واحد هو النفس . وعليه فلا يبقى معنى للتسخير المتوقّف على تعدّد الفواعل .
والدليل على ابتناء كلامه قدّس سرّه على القول الأوّل : أنّه عبّر بالقوى الطبيعيّة إلى آخره ، ولم يعبّر بالنفس في مرتبة القوى الطبيعيّة ، مع أنّه كان قد عبّر بها آنفا في الفاعلين بالطبع وبالقسر .
22 - قوله قدّس سرّه : « كالعلل الكونيّة المسخّرة للواجب تعالى »
هذا على القول بعدم انحصار التأثير والإفاضة فيه تعالى ، وأنّ في الوجود عللا فاعليّة تنتهي إليه تعالى ، وهو الّذي يشير إليه في الفصل الثامن بقوله قدّس سرّه : « وأمّا بالنظر إلى ما يعتبره العقل من الماهيّات الجوهريّة والعرضيّة المتلبّسة بالوجود المستقلّة في ذلك فهو تعالى علّة تنتهي إليها العلل كلّها . . . والعلل كلّها مسخّرة له » . انتهى . وأمّا على النظر الأدقّ الّذي يرى اللّه تعالى مؤثّرا بحقيقة معنى الكلمة ، وأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا هو ، وأنّ ما نسمّيها عللا فاعليّة ليست إلّا معدّات مقرّبة للمعاليل إلى فيض المبدء الأوّل تعالى ، فليس هناك فواعل في الكون حتّى تكون مسخّرة أو غير مسخّرة .
23 - قوله قدّس سرّه : « أنّا ننسب الأعمال المكتنفة بكلّ نوع من الأنواع المشهودة »
وذلك بمقتضى ما مرّ من البرهان على ذلك في الفصل السابع من المرحلة السادسة في إثبات الصور النوعيّة .